بعد نص ساعة من اقلاع الطائرة رودي خالد

موقع أيام نيوز

يتكلم في التحقيقات لو مروان قرب منه. مروان جاي ينفذ تصفية!
صلاح شحب وجهه، ونظر نحو مروان بشك قاطع. لكن صلاح كقائد متمرس لم يندفع، بل أومأ برأسه بثبات وقال بصوت خافض
خليكي في مكانك يا دكتورة الشرطي المتقاعد اللي في الصف التالت جاهز، وأنا هديله إشارة.
توقفت الطائرة تمامًا. تعالت أصوات سحب المزالج الخارجية، وانطلقت صفارات التنبيه التي تعلن فتح الباب الرئيسي.
في تلك اللحظة الحرجة، وقبل أن يتحرك صمام الباب بأجزاء من الثانية، انطلق مروان كالسهم من عند الباب متوجهًا نحو المقعد 1A حيث يجلس سامح المحاصر! أخرج من جيبه سرنجة صغيرة ذات سن معدني حاد، وعيناه مليئتان بالشړ والاندفاع!
صرختُ بأعلى صوتي
احذر يا سامح! السرنجة!
الټفت سامح بفزع، وفي نفس اللحظة قفز الشرطي المتقاعد من مقعده واعترض طريق مروان بكل قوته، ليصطدم به ويسقطه على أرضية الممر. طارت السرنجة من يد مروان واستقرت على بعد سنتيمترات من قدمي، بينما اندفع صلاح ومضيف آخر لتكبيل يديه وسحبه بعيدًا عن سامح!
اڼفجر سامح في نوبة ړعب حقيقية. كان يلهث بشدة وهو ينظر إلى السرنجة الملقاة على الأرض، وأدرك في تلك اللحظة بالذات أنه لم يكن سوى بيذق قابل للتضحية به من قبل الرؤوس الكبار في الشبكة.
قال سامح بصوت مرتفع ويرتجف من الصدمة
كانوا عايزين ېقتلوني؟! أنا اللي نظمت كل حاجة.. وهم عايزين يصفوني؟!
فتح باب الطائرة، وانهمرت قوة أمنية مكثفة من رجال النيابة العسكرية والشرطة الخاصة، يتقدمهم ضابط برتبة عميد، وبجوارهم دخل رجل بطول فارع يرتدي معطفًا أسود
كان هو دكتور طارق!
تنقستُ الصعداء حين رأيت طارق يدخل المقصورة. استدارت العيون كلها نحو القوة الأمنية وهي تبدأ بتكبيل شريف، ندى، دينا، مروان، وسامح الذي كان ېصرخ بصوت هيستيري
أنا هعترف بكل حاجة! الأوراق، والتحويلات، والأسماء الكبيرة اللي ورا العملية دي! بس أمنوني!
تقدم طارق نحوي بخطوات واثقة، وابتسامة ارتياح على وجهه
حمد لله على السلامة يا ليلى ثباتك الانفعالي كان السبب الوحيد إننا نوقع بشبكة كاملة كانت بټرعب قطاعات طبية ومالية بقالها سنين.
ابتسمتُ بوهن وأنا أستند إلى المقعد
شكراً يا طارق لولا رسائلك في الوقت المناسب، كنت دلوقتي متهمة في قضية تهريب أو إهمال طبي.
لكن
طريقة نظر طارق إليّ اتغيرت فجأة. انطفأت الابتسامة من على وجهه، وحلت محلها علامة تعجب وحيرة شديدة!
سألني طارق بصوت منخفض ومستغرب
رسائلي؟ ليلى أنا مبعتلكيش ولا رسالة واحدة طوال الرحلة! أنا كنت محظور من استخدام أي وسيلة تواصل عشان التسريبات الأمنية! أنا كنت بتابع تتبع الرحلة من غرفة عمليات المطار بس!
تجمدت الدموع في عيني. شعرت ببرودة أشد من كل ما مررت به خلال الرحلة.
أخرجتُ هاتفي بسرعة، وفتحتُ شاشة الرسائل المعنونة ب رقم مجهول
وفي تلك اللحظة بالذات، ورجال الشرطة يقتادون المتهمين خارج الطائرة، اهتز الهاتف في يدي للمرة الأخيرة ب رسالة جديدة
طارق بيتكلم صح يا ليلى.. هو مبعتكِش حاجة.
أنا اللي كنت ببعتلك كل كلمة.. وأنا اللي عارف كل تفصيلة في حياتك.
الشبكة دي كانت مجرد تسخين اللعبة الحقيقية تبدأ أول ما تخرجي من المطار وتفتحي باب شقتك!
خرجتُ من الطائرة بخطوات ثقيلة، يحيط بي طارق ورجال الأمن، بينما كانت كاميرات الصحافة وأجهزة الإعلام تصوّر لحظة سحب سامح وعصابته في أصفادهم. كان المطار يضج بالحركة والهمهمات، لكن عقلي كان غائبًا تمامًا عن كل هذا الصخب.
الرسالة الأخيرة كانت تتردد في ذهني كصدى مرعب
أنا اللي كنت ببعتلك كل كلمة.. وأنا اللي عارف كل تفصيلة في حياتك. اللعبة الحقيقية تبدأ أول ما تخرجي من المطار وتفتحي باب شقتك!
التفتُّ إلى طارق أثناء سيرنا في صالة الوصول، وقلتُ بصوت متقطع
طارق.. لو إنت مكنتش بتبعث الرسائل، يبقى مين اللي كان يوجهني بالحرف؟ مين اللي عارف بروتوكول 404؟ ومين اللي قدر يخترق شبكة الاتصالات على ارتفاع 30 ألف قدم؟!
توقف طارق ونظر إليّ بملامح يملؤها القلق الحقيقي، وقال
ليلى.. النظام اللي أرسل لك الرسائل استخدم سيرفر مشفر ومُعقد جدًا، تتبعناه مبدئيًا ولقينا مصدره مش جهاز فردي.. ده نظام مراقبة ذكي متصل بكاميرات الطائرة وحساباتك الشخصية من أسابيع! الشخص ده مش بس كان بيحميكي من سامح.. ده كان بيحرك سامح وشريف ضدك عشان يوصلك للنقطة دي بالذات!
اتسعت حدقتا عينيّ. أدركت في تلك اللحظة أن سامح وعصابته لم يكونوا سوى بياذق في لعبة أكبر بكثير، تم الټضحية بهم ليتم التمهيد للمرحلة الثانية القادمة نحو بيتي!
أنهيتُ إجراءات الشهادة السريعة في مكتب النيابة بالمطار، ورفضتُ دعوة طارق لمرافقتي بحراسة أمنية، لأنني أردتُ مواجهة هذا الظل المجهول بنفسي حاسمةً كل شكوكي.
بعد ساعة، وصلتُ إلى بنايتي السكنية. كانت العمارة هادئة بشكل مريب، والإضاءة في المدخل ترمش باهتزاز. صعدتُ المصعد، وقلبي يدق بقوة تدوي في أذني.
وقفتُ أمام باب شقتي.
أخرجتُ المفاتيح بيد ترتجف. وضعتُ المفتاح في القفل.. ودرتُ به دورة واحدة.. ثم الثانية.
فتحتُ الباب ببطء.
كانت الشقة مظلمة بالكامل، ونسيم هادئ يحمل رائحة عطر خشب الصندل العتيق يسري في المكان.. وهو نفس العطر الذي كان يفضله والدي المتوفى منذ سنوات!
فجأة، أضاءت شاشة الكمبيوتر الخاص بي في منتصف الصالة المظلمة تلقائيًا!
ظهرت على الشاشة الكبيرة صورة لي

وأنا داخل الطائرة قبل ساعات، وبجوارها بث مباشر من داخل شقتي في هذه اللحظة بالذات، يُظهرني وأنا أقف عند الباب!
اهتز هاتفي في يدي ب رسالة جديدة
ادخلي وافلي الباب يا ليلى.. مټخافيش.
أنا مش عدوك.. أنا الشخص اللي أدار حياتك وحماكي من اليوم اللي اتولدتي فيه.
انظري للخلف.. في الزاوية المظلمة من الصالة.
بلعتُ ريقي بصعوبة، ودرتُ بجسدي ببطء شديد نحو الزاوية المظلمة بجوار المكتبة
هناك، وسط الظلام، تحرك ظل طويل بخطوات متزنة، حتى برز تحت ضوء شاشة الكمبيوتر خافتًا.
ظهر رجل يرتدي معطفًا رماديًا، يحمل في يده ملفًا أسود قديمًا، وتلاميحه كانت تدعو للذهول
كان يحمل نفس ملامح وجهي، ونفس العيون!
ابتسم الرجل بنبرة صوت دافئة ولكنها تحمل غموضًا يقطع الأنفاس، وقال
أهلاً بكِ في بيتك يا ليلى أخيرًا كبرتِ وبقيتِ قادرة تفهمي اللعبة. أنا والدك اللي أوهموكِ إنه ماټ من عشرين سنة!
تجمّعت الدموع في عيني وصحتُ بذهول وصدمة
بابا؟! مش ممكن.. إنت مېت! أنا دفنتك بإيدي!
خطا خطوة أخرى نحوي، وفتح الملف الأسود ورفعه في وجهي، ليظهر من خلاله ختم سري للغاية
اللي دفنتيه كان مجرد چثة بديلة يا ليلى.. عشان أحميكي وأحمي نفسي من المنظمة اللي أنا وإنتِ طلعنا جزء منها.. وسامح والطيارة كانوا مجرد اختبار أخير عشان أتأكد إنك جاهزة للمعركة الحقيقية اللي تبدأ بكرة!
وقف الزمان بالنسبة لي، وتجمدت الډماء في عروقي وأنا أنظر إلى ذلك الوجه الذي طالما طاردني في أحلامي. ملامح والدي، نفس العينين ونفس انحناءة الجبين، ولكن بنظرة أكثر قسۏة وغموضًا مما كنت أذكره في طفولتي.
قلت بصوت يرتجف من الصدمة والڠضب
اختبار؟! أنت تتكلم عن حياتي وشرفي وسمعتي بصفتها مجرد اختبار؟! أنت سيبتني عشرين سنة أعتقد إنك مېت، والنهاردة جاي تقولي كل الفوضى اللي حصلت في الطيارة دي كانت من ترتيبك؟!
ابتسم والدي ابتسامة هادئة، وحرك الملف الأسود بين يديه قائلاً بصوت واثق
سامح وشريف ودينا كانوا مجرد أدوات رخيصة استخدمتها المنظمة عشان يمسكوا عليكِ نقطة
تم نسخ الرابط