بعد نص ساعة من اقلاع الطائرة رودي خالد

موقع أيام نيوز

علمك هتوديكي بسجن أمني مش ه تخرجي منه.. اسمعي الكلام اللي جاي بالحرف لو عايزة تطلعي حية!
ارتفع صوت صړاخ الركاب في مقصورة الطائرة، واختلطت الأصوات ببعضها بعدما قفزت ندى من مرقدها بكامل عافيتها، واقفه بجوار شريف والمضيفة دينا. ساد الذهول وجوه الجميع؛ فالمرأة التي كانت منذ لحظات على وشك الإغماء والڼزيف، تقف الآن على قدميها، تنظر حولها بشرر وعينين يملؤهما الذعر والتوتر.
كانت يداي ترتجفان وأنا أقرأ الرسالة الأخيرة على شاشة هاتفي
الهبوط الاضطراري هو اللي هما عايزينه أصلًا يا ليلى.. المطار اللي الطيارة هتهبط فيه حالًا، فيه محامي ومأجورين مستنيينك تحت.. والشنطة بتاعتك اللي في شحن الطيارة فيها حاجة اتحطت بدون علمك هتوديكي بسجن أمني مش هتخرجي منه.. اسمعي الكلام اللي جاي بالحرف لو عايزة تطلعي حية!
انقبض قلبي ببرودة شديدة. الخطة لم تكن مجرد ابتزاز مالي بمبلغ مليونين جنيه مقابل إجهاض مفبرك، بل كانت فخًا أكبر وأشرس يستهدف ټدمير حياتي بالكامل وتلفيق قضية خطېرة لي بمجرد أن تطأ قدمي أرض المطار الذي سنقضي فيه الهبوط الاضطراري.
في تلك الثواني المفعمة بالتوتر، انطلقت الرسالة التالية متتابعة على الشاشة
أولًا انزلي فورًا على ركبتك وادّعي الدوخة عشان تشتتي انتباه شريف ودينا.
ثانيًا المضيفة دينا معاها مفتاح ماستر لغرفة أمتعة الطاقم في الشنط المعلقة، المفتاح في جيب جاكيت طاقم الضيافة اللي هي لابساه.
ثالثًا صلاح رئيس الطاقم معاه اللاسلكي..زميلك في الجامعة القديم دكتور طارق هو اللي بيتصل بيكي وبيحميكي من الأرض.. قولي لصلاح كلمة سر واحدة بروتوكول 404.
أخذت نفسًا عميقًا، وحاولت استرجاع كل ذرة ثبات انفعالي داخل عقلي. لم يكن أمامي خيار سوى اتباع الإرشادات بدقة متناهية.
فجأة، وضعت يدي على رأسي وأطلقت زفرة ألم، وتظاهرت بالدوار والترنح، ثم انزلقت بجسدي نحو الأرض مستندة على المقعد المجاور.
صړخ رئيس الطاقم صلاح
دكتورة ليلى! مالك؟ في إيه؟
في نفس اللحظة التي الټفت فيها الجميع ونحو الجانب الذي سقطت فيه، ومد صلاح يده ليساعدني، استغللت الارباك وقرب المضيفة دينا مني، وبحركة سريعة وغير ملحوظة وسط التدافع، مددت أصابعي نحو جيب جاكيت دينا السفلي، وحصلت على المفتاح المعدني الصغير، ثم أخفيته فورًا داخل قبضتي المغلقة.
انقبض وجه شريف، وصاح بصوت غاضب وهو يبتعد عن ندى متراجعًا نحو الممر
إنتوا بتمثلوا عليّ؟ الطيارة دي مش هتهبط غير لما آخد حقي! الدكتورة دي بوظت كل حاجة!
تراجع صلاح للخلف يحمي الركاب، بينما وقفتُ أنا بصعوبة متظاهرة بالضعف، وأمسكت بساعد صلاح بقوة، ثم همست في

أذنه بنبرة قاطعة لم يسمعها غيره
صلاح بروتوكول 404. اتصل فورًا بالدكتور طارق على الخط الأرضي!
اتسعت عينا صلاح بذهول شديد، وتغيرت ملامح وجهه تمامًا في ثانية واحدة. تراجع انطباعه الروتيني ليحل محله التركيز العسكري الحاد. بدا وكأنه يعرف تمامًا ماذا تعني هذه الكلمة السحرية.
رفع صلاح جهاز اللاسلكي بسرعة وصړخ بثبات
كابتن! فعل بروتوكول 404 فورًا! تحويل خط الطوارئ إلى الدكتور طارق، وإغلاق المقصورة الرئيسية!
بمجرد نطق الكلمة عبر المكبر، أضاءت لمبات التحذير الحمراء في أعلى سقف الطائرة، وانطلق صوت صفارة تنبيه جافة.
في هذه اللحظة، ظهر التوتر الحقيقي على وجه دينا وشريف. صړخت دينا
إنت بتعمل إيه يا صلاح؟! الكابتن قال هنهبط!
رد صلاح بنبرة حازمة وهو يقف حائلًا بينهما وبيني
بروتوكول 404 بيغطي حالات الټهديد الأمني والمؤامرات المباشرة على متن رحلات الطيران الدولية. الطائرة مش هتهبط في المطار القريب يا دينا.. المطار اللي طلبتوه تم إلغاء الهبوط فيه، وإحنا متوجهين حاليًا لمطار العاصمة تحت حراسة مشددة.
ارتبكت ندى وصړخت في شريف
شريف! الخطة باظت! قلتلك الدكتورة دي مش سهلة!
سحب شريف يده من جيبه، وحاول الاندفاع نحو باب الطوارئ أو السيطرة على صلاح، لكن اثنين من ركاب الدرجة الاقتصادية أحدهما ضابط شرطة سابق كان يراقب الموقف بشك منذ البداية قفزا عليه وضبطا حركته وثبتوه على أرضية الممر بالكامل، بينما امسكت إحدى المضيفات ب ندى التي كانت تصرخ وتتخبط.
أما دينا، فقد حاولت التراجع للخلف بسرعة للوصول إلى حقيبة يدها، لكنني أسرعت ووقفت في طريقها، ونظرت في عينيها قائلة
مفتاح غرفة الأمتعة مش معاكي يا دينا.. المفتاح معايا.
سقطت دينا على ركبتيها وحسبت انفاسها بصعوبة، بعد أن أدركت أن كل خطوط لعبتها قد انهدمت تمامًا.
أخذ صلاح جهاز اللاسلكي ومرره إليّ قائلاً
دكتورة ليلى.. الدكتور طارق على الخط معاكي.
رفعت السماعة إلى أذني، وجاءني صوت دافئ وآمن أعرفه جيدًا منذ سنوات الدراسة في كلية الطب، صوت طارق الذي لم أره منذ أعوام
ليلى.. قاطعتك الرسائل عشان أنقذك في آخر لحظة. شريف وندى ودينا شبكة ابتزاز وتأجير قضايا، وكانوا دافعين للشرطة المحلية في المطار الفرعي عشان يقبضوا عليكِ پتهمة تهريب مواد مخدرة حطوها في شنطتك السفلية عن طريق دينا قبل الإقلاع.
تنقست الصعداء وقلت بنبرة ارتكاف
طارق!.. الشنطة فيها إيه؟ وإزاي عرفت كل ده؟
رد طارق بسرعة
دينا بدلت البادج وحطت مخډرات في شنطتك تحت اسمك عشان تتقفلي بالقضية دي لو رفضتي ترفعي القضية أو تدفعي المليونين جنيه. بس أنا كنت بقدم بلاغ ضد الشبكة دي من أسبوعين وكنت بتتبع خط سيرهم. أول ما عرفت إنهم معاكي على نفس الرحلة، كان لازم أتواصل معاكي فورًا عبر السيرفر الداخلي للطائرة.
أكمل طارق بنبرة جادة للغاية
ليلى.. المهمة لسه مخلصتش. الشنطة المزوّرة اللي تحت في الشحن فيها حرز سري، ولازم أول ما الطيارة تهبط في مطار العاصمة تتسلم للنيابة العسكرية فورًا، لكن فيه شخص رابع معاكم على الطيارة.. شخص إنتِ متوقعتيش وجوده خالص، وهو اللي حرك كل اللعبة دي من الأول عشان ينتقم منك!
توقفت أنفاسي، ونظرت حول المقصورة الممتلئة بالركاب الذين كانوا يتابعون المشهد في ذهول وصمت تام.
سألت بصوت خاڤت جداً
شخص رابع؟ مين يا طارق؟!
جاء رد طارق الأخير قبل أن يتقطع الاتصال بفعل التشويش
بصي في الصف الأول في البيزنس كلاس.. الراكب اللي قاعد في الكرسي 1A ومغمض عينه وبيشرب قهوة ببرود من أول الرحلة
ودون تفكير، التفتُّ ببطء شديد ونظرت نحو بداية درجة رجال الأعمال..
نحو المقعد 1A.
جلس هناك رجل في الأربعينات من عمره، يرتدي بذلة داكنة، يضع قدمًا فوق الأخرى، ويمسك بفنجان القهوة بثبات تام. وعندما شعر بنظراتي توقفت عليه، أنزل الفنجان ببطء، ورفع رأسه ونظر إليّ مباشرة..
وابتسم ابتسامة خفيفة مرعبة جعلت فرائصي ترتعد!
اتسعت حدقتا عينيّ وأنا أثبت نظراتي على صاحب المقعد 1A. الابتسامة الباردة التي ارتسمت على شفتيه كانت كفيلة بأن تجعل الډماء تتجمد في عروقي. كان هذا الرجل هو دكتور سامح أستاذ الجراحة السابق والرئيس التنفيذي لأحد المستشفيات الخاصة الكبرى التي عملت بها قبل سنوات، وهو الرجل نفسه الذي كشفتُ عن مخالفت قضايا اتجار وتزوير في مستشفاه، مما أدى لطرده وسحب رخصته الطبية.
كان سامح يجلس بمنتهى الهدوء، يرتشف قهوته وكأنه يشاهد مسرحية أخرجها بنفسه وبأعلى درجات الإتقان.
في تلك اللحظة، اهتز هاتفي مجددًا برسالة خاطفة من طارق
سامح هو العقل المدبر. شريف وندى ودينا مجرد أدوات رخيصة استخدمهم عشان يدمّرك. هو عارف إنك طبيبة متفوقة وعندك حس مسؤولية عالي، وكان مراهن إن غريزتك الطبية هتخليكي تلمسي ندى، فيدمرك بالابتزاز المالي، ولو فشل الابتزاز،
تم نسخ الرابط