زوجة اختفت من مخزن البيت… وما سمعه حيدر داخل الممر القديم دمّر حياته بالكامل.
التالية كانت انهيارًا كاملًا.
أبي استعاد أوراق البيت وأثبت أن جزءًا كبيرًا منه ما يزال باسمه.
واتضح أن أمي كانت تعيش طوال السنوات فوق عرش ليس لها بالكامل.
الجيران الذين كانوا يقولون دائمًا
أم حيدر مسكينة وتعبانة بالحياة
بدأوا يخفضون أصواتهم عندما تمر.
أما أنا فلم أنم في البيت مرة أخرى.
استأجرت غرفة صغيرة قرب الكرادة.
نافذتها تطل على جدار أزرق متقشر.
وفي أول ليلة لم أستطع النوم.
كلما سمعت بابًا يُغلق، تخيلت سارة داخل المخزن وهي تقول
رجاءً مو اليوم.
ذهبت إلى العلاج النفسي لأن سارة طلبت ذلك قبل أي حديث مستقبلي بيننا.
وسجلت في جلسات للتحكم بالڠضب بإرادتي.
ووقعت ورقة أتعهد فيها ألا أقترب منها دون موافقتها.
أمي اتصلت يوميًا.
لم أرد.
ثم بدأت ترسل تسجيلات صوتية.
في البداية كانت تبكي.
ثم ټشتم.
ثم تتوسل.
في إحدى الرسائل قالت
أنا صنعت منك رجلًا.
حذفت الرسالة فورًا.
وفكرت
لا أنتِ صنعتِ مني شخصًا مطيعًا.
بدأت ألتقي بأبي أيام الجمعة.
لم تكن العلاقة سهلة.
لم تكن هناك أحضان مفاجئة أو لحظات تعويض سينمائية.
كان بيننا عمر كامل ضائع.
لكنه بدأ يخبرني بأشياء صغيرة.
أنني وأنا طفل كنت أنام ويدي مقبوضة.
وأنني كنت أعض الملاعق الخشبية.
وأن البطانية المطرزة باسمي طلبها من سوق قديم قبل ولادتي بشهرين.
وفي يوم سألته
لماذا لا تكرهني؟
فكر قليلًا ثم قال
لأن كرهك كان سيكمل شغل أمك.
ولم أعرف ماذا أقول بعدها.
سارة انتقلت للعيش عند خالتها في المنصور.
ولعدة أشهر لم يصلني منها إلا رسائل قصيرة
الطفل بخير.
عندي موعد الخميس.
لا تأتِ.
وكنت أطيع.
ولأول مرة في حياتي، لم أشعر أن طاعة امرأة تنتقص مني.
شعرت أنها تعيد لي إنسانيتي.
عندما دخلت شهرها الخامس، سمحت لي أن أرافقها
إلى الفحص.
جلست في زاوية الغرفة بصمت ويداي فوق ركبتي.
ثم سمعت نبض الجنين.
سريعًا.
قويًا.
عنيدًا.
كحصان صغير يركض داخل كهف.
غطيت فمي وبكيت.
نظرت إليّ سارة، لكنها لم تحاول مواساتي.
وحتى هذا كان هدية.
تركتني أشعر بما أستحقه دون أن تنقذني منه.
وُلدت الطفلة في فجر ممطر.
بنت.
سمّتها سارة
ليان.
ولم تسجلها مباشرة باسم عائلتي.
ليان سارة الراوي.
وقالت لاحقًا إننا يمكن أن نتحدث عن الاسم الكامل مع الوقت.
ولم أعترض.
هذه الطفلة حملت ما يكفي من الأسماء الثقيلة قبل أن تفتح عينيها أصلًا.
عندما رأيتها كانت صغيرة جدًا وغاضبة وتبكي بكل جسدها.
أبي كان خارج غرفة الولادة يدعو بصمت دون أن يعرف حتى لمن يرفع دعاءه.
أما أمي فلم تتم دعوتها.
أرسلت وردًا أبيض.
وسارة أعادته دون رسالة.
حملت ليان فقط عندما سمحت لي سارة بذلك.
حملتها پخوف.
وبحذر.
وبكل الحذر الذي كان يجب أن أتعلمه قبل سنوات.
همست لها
أهلًا أنا حيدر.
ولم أقل
أنا أبوك.
شعرت أن هذه الكلمة يجب أن تُكتسب يومًا بعد يوم.
بعد سنة بعنا البيت.
وقبل تسليمه، وافقت سارة أن نعود إليه مرة أخيرة.
دخلنا معًا.
ليان نائمة على صدرها.
وأبي يمشي ببطء خلفنا.
باب المخزن كان مفتوحًا.
فارغًا.
لا كراتين.
لا خزانة.
لا قفل.
أما الجدار الوهمي فقد أُزيل بالكامل، وأصبح الممر ظاهرًا تحت ضوء مصباح مكشوف.
لم يعد يبدو كسر.
بدا كچرح نظيف.
نزعت سارة سلسلة من رقبتها.
كان خاتمها معلقًا فيها.
الخاتم نفسه الذي تركته على الأرض تلك
الليلة.
ظننت أنها ستعيده لي.
لكنها وضعته فوق إطار باب المخزن.
وقالت
يبقى هنا ليس كرمز للزواج. بل كدليل أنني خرجت.
نظرت إليها.
وقلت
شكرًا لأنك نجوتِ مني.
أخذت نفسًا عميقًا.
أنا لم أنجُ من أجلك يا حيدر.
هززت رأسي.
أعرف.
ثم نظرت إلى ليان.
ثم إليّ.
وقالت
لكنك تتعلم ألا تصبح مثلها.
لم يكن غفرانًا كاملًا.
ولم تكن نهاية سعيدة تمحو الأڈى بقبلة.
كان شيئًا أصعب.
فرصة يراقبها الماضي كله.
خرجنا من البيت.
وأغلق أبي الباب خلفنا دون أن يقفله بالمفتاح.
في الخارج كانت رائحة المطر والخبز الحار تملأ الشارع.
وبغداد ما تزال كما هي.
أصوات سيارات.
باعة.
حياة تتحرك.
لكنني لأول مرة لم أعد أسمع صوت أمي داخل رأسي يخبرني ماذا يجب أن أصدق.
كانت سارة تمشي نحو السيارة وهي تحمل ليان.
وأنا أحمل حقيبة الطفلة فقط.
لا أكثر.
ولا أقل.
وفي تلك اللحظة فهمت شيئًا أخيرًا
في تلك الليلة لم أفقد زوجتي داخل غرفة مغلقة.
بل رأيتها تخرج منها.
الشخص الذي كان محبوسًا طوال عمره كنت أنا.