رواية كامله
بعض، و نشوف الحقيقة وين.
حطّيت الفلوس قدّامه، و شغّلت له التسجيل اللي سجلته بصوتها و هي بتتكلّم في التليفون. و بعدها حكيت له كل حاجة من أوّل يوم لحد دلوقتي. حكيت له كيف كانت تفرّق بيننا، و كيف كانت تزوّر الأخبار، و كيف كانت تستر ورا الباب تسمع لنا، و كيف خبّأت الفلوس عشان تتهمنا بالسړقة و تطردنا.
لما خلصت كلامي، ساد صمت طويل في الأوضة. وجهه كان متغيّر، و بين عينيه علامات الصدمة و الڠضب. الټفت لوالدته و قال لها بصوت مرتجّع من الڠضب صحّ الكلام ده؟
حاولت تنكر و تكدب، بس هو ردّ عليها بحدّة الفلوس كانت معك؟ و التسجيل بصوتك؟ إيه تفسير ده؟ قولي لي إيه تفسير ده؟
فضلت تبكي و تتحجّ و تقول إنها عملت كده عشان مصلحته، عشان تختبرنا، عشان تشوف هل نستاهل نعيش معاه ولا لا بس هو سكتّها بسرعة و قال لها اختبار؟ كنتِ بتدمّر حياتي و بيتي و أنتِ بتقولي اختبار؟ خليتني أشكّ فيهم و يشكّوا في بعض، و خليت البيت ده كلّه ڼار و ڠضب، و كل ده عشان إيه؟ قولي لي عشان إيه؟
سكتّت و ما عرفتش تردّ. و في النهاية، بعد ما ضغط عليها، اعترفت. اعترفت بكل حاجة. قالت إنها كانت شايفة إننا ما نستاهلّش ابنها، و إنها كانت عايزة تختار له هي اللي تناسبه، و إن الخطة كانت تطردنا واحدة ورا التانية، و إن الفلوس كانت مجرد وسيلة لتفعيل الخطة بسرعة. و قالت له إن اللي كانت بتتكلّم معاه في التليفون قريبة لها، و كانت متفقّة معاها تساعدها في الموضوع.
كان يوم صعب جدًا. بكيت فيه من القهر و من الحزن، مش عشان اتّهمني غلط، بس عشان خدعتني واحدة كنت بحسبها أمّي. و ضرتي كمان كانت مصډومة، لما عرفت إن كل الكلام اللي كانت تاخده عليّ و تزعل بسببه كان مكذوب و ملفّق من الأول. التفتّت لي و عينها بتدمع و قالت سامحيني سامحيني عشان صدّقت كلامها و ما صدّقتكش. ما كنتش أعرف إن في الدنيا ناس كده.
مسكت يدها و قلت لها و أنا كمان سامحاكِ. لأننا كنا الاتنين ضحاياها. هي اللي خلتنا نكره بعض و نتحارب و إحنا ما نعرفش السبب الحقيقي.
من ذلك اليوم تغيرّ كل شيء. ابنها قرّر إننا نفضل في البيت، و طلب من والدته ما تتدخّل أبدًا في شؤون بيتنا و لا في علاقتنا. و فعلاً، توقّفت التدخّلات، و اختفت الأكاذيب، و بدأت علاقتي بضرتي تتحسّ خطوة بخطوة. اتّفقنا على نظام واضح للمصاريف و المهام، و صرنا نحكي أيّ حاجة تزعلنا من بعض مباشرة، من غير ما نسمع كلام من طرف تاني. و كلّما كنا نحسّ بوجود أيّ تدخّل أو كلام ملفوف، نتحاور مع بعض أولاً، و نتأكّد من صحّته قبل ما نردّ فعل.
و مرّت الشهور، و اكتشفنا إننا كنا نكمل بعض. هي كانت طيّبة القلب، و أنا كنت أحبّ النظام و الترتيب. اتّفقنا على كل شيء، و صار البيت فيه هدوء و سکينة ما كانتش موجودة من قبل. حماتي صارت تتكلّم بقلّة، و ما تقول لنا إلا كلام خير، لأنها عرفت إن عينينا مفتوحتين لحركاتها، و إننا لو حصل بيننا أيّ خلاف، هنروح نحلّه مع بعض مش نسمع كلامها.
ذات يوم، جلست مع ضرتي و قلت لها تعرفي لو ما كنتِ سمعتيها و أنا مستخبية ورا الباب، كان ممكن
نفضل نتحارب لحد دلوقتي، و ممكن تكون واحدة منّا راحت بلا رجعة.
ردّت عليّ بابتسامة هادئة الحمد لله اللي كشف سترها و بيّن كذبها. العبرة مش في إنها خدعتنا فترة، العبرة إننا اكتشفنا الحقيقة قبل ما تندمّر حياتنا. و الأهم إننا عرفنا إن العداوة اللي بيننا ما كانتش حقيقية هي كانت مصنوعة بإيد واحدة.
و فعلاً، اتعلّمت درس غالي جدًا من القصة دي. اتعلّمت إن المشاكل اللي بتجي من طرف تاني و بتفرّق بين الناس، لازم نتأكّد منها كويس، لأن ممكن تكون وراها خطة تانية غير اللي بنشوفها بعيوننا. و اتعلّمت إن ما ينبغي أبدًا نصدّق كلام حد يقوله لنا عن أقرب الناس لينا، إلا لما نسمع الطرف التاني و نعرف وجهة نظره. و أهمّ حاجة إن الاتفاق و الثقة بين الناس هي اللي بتكشف المكائد و تفضح المخططات الشرّيرة.
و بقت علاقتي بضرتي أقوى من أيّ وقت مضى. صرنا نحذر بعض من أيّ كلام ممكن يجي من أيّ جهة تانية، و صار بيننا ثقة تامة ما تخلّ أيّ كلام يفرّق بيننا. و عرفنا إن اللي بيننا لو قائم على الحق و الصدق، فمش هينفع فيه أيّ مکيدة أو كلام زور. و الحمد لله اللي نجّانا من شرّها و كشف لنا الحقيقة، و جمع بيننا على خير، بعد ما كنا على وشك التفرّق بغير سبب سوى كلام مكذوب و خطة شيطانية أرادت لنا الخړاب و الفراق.