بابا الست دى هى ماما
بابا.. الست دي هي ماما.
مراد قالها بصوت واطي لدرجة إن يوسف افتكر في الأول إن الشارع بيتهيأله.
كانت ليلة سبت قدام سوق صغير في القاهرة. الناس طالعة بشنط الخضار والعيش، حد شايل كرتونة أكل، ريحة القهوة واللبن الدافي مالية المكان، وفي زاوية عند نفق، راجل عجوز بيعزف لحن قديم على آلة ناي، والعربيات ماشية ببطء على الأسفلت المبلول والأنوار بتنعكس عليه.
لكن مراد اللي عنده 8 سنين وقف فجأة.
إيده الصغيرة ضغطت على إيد أبوه بقوة لدرجة إن يوسف حس بضوافره من خلال الجوانتي.
بتقول إيه يا ابني؟
مراد رفع صباعه وهو بيرتعش وشاور على جدار محل كتب مقفول.
هناك، على حتة كرتونة، كانت قاعدة ست لابسة بالطو رمادي قديم.
في إيديها كوباية بلاستيك.
شعرها منكوش.
الجزمة مقطوعة.
وشها خاسس وشاحب، وعليها علامات إرهاق سنين طويلة، مش مجرد ليلة.. سنين خلتها بقت شفافة ومحدش شايفها في الزحمة دي.
دي ماما.. كرر مراد، والدموع بدأت تلمع في عينيه.
يوسف حاس إن صدره بيتقبض.
مراته، سارة، مېتة بقالها 3 سنين.
أو ده اللي الكل يعرفه.
وقف في عزى، واستقبل تعازي القرايب والصحاب والشركاء في الشغل.
شال مراد على إيده وهو بيعيط لحد ما نام من كتر العياط.
وبعدين اتعلم يعيش يطبخ الأكل اللي كانت بتعمله، يلف لابنه الكوفية قبل المدرسة، ويجاوب على أسئلة توجع القلب لأي حد كبير
ماما شايفة ياني يا بابا؟
ماما بتسمعني لو اتكلمت واطي؟
لو نسيت صوتها.. هتزعل مني؟
عشان كدة، يوسف هز راسه بأسى لأ يا مراد.. ماما مش هنا.
بس مراد مكنش بيتحرك.
بابا، بص عليها.. أرجوك.
يوسف بص تاني.
الست رفعت وشها ببطء.
لثانية واحدة، السوق، العربيات، المزيكا، ريحة القهوة.. كل ده اختفى.
كانت خاسة جداً. خدودها غايرة. وشفايفها متشققين.
عيونها كانت مليانة ۏجع، كأنها عاشت كذا حياة مش حياتها.
بس دي كانت عيونها.
نفس العيون اللي كان يوسف بيشوفها كل يوم الصبح جنبه على المخدة.
نفس العيون اللي كانت بتنور لما مراد اتولد.
نفس العيون اللي حاول ينسى تفاصيلها 3 سنين عشان ميموتش من كتر الحزن.
الست بصتله.
في الأول پخوف.
بعدين.. عرفته.
حاولت تقوم، بس رجليها مكنتش شايلها.
مراد فلت إيده من أبوه وجري عليها ماماااا!
الصړخة قطعت حبل الهدوء اللي في الشارع.
الواد رمى نفسه على ركبه قدامها ولمس وشها بإيديه الاتنين، كأنها ممكن تطلع خيال.
أنا جيت يا ماما.. أنا مراد.
الست فتحت بوقها.
دمعة نزلت على خدها المترب.
يا قمري الصغير.. همست.
يوسف وقف التنفس بتاعه.
سارة كانت الشخص الوحيد اللي بتنادي مراد بكلمة قمري الصغير من وهو رضيع.
مش يا حبيبي، ولا يا ابني، ولا يا نور عيني.
يا قمري الصغير.
مفيش حد غريب ممكن يعرف الكلمة دي.
ست من الكافيه اللي جنبهم جابت بطانية.
حد طلب الإسعاف.
يوسف شال سارة بين إيديه ورعش لما حس بجسمها خفيف أوي.
كأن شايل بقايا حياة، مش مراته.
في المستشفى، دخلوها على طول.
مراد قاعد على الكرسي في الطرقة، مربع إيده، وعينه على الباب كأن نفسه