بعد عشر سنين
كانت سؤال.
وقال
مشاكل مادية؟
بتتكلمي عن إيه يا أمي؟
بص سامي لتهاني...
وبصت له هي كمان.
كان واضح إن الاتنين مترددين.
وفي الآخر...
أخذ سامي نفسًا طويلًا، وقال بهدوء
حازم كان بيدينا خطابات منك بقاله سنين.
سكت لحظة...
ثم كمل
كنا بنقرا فيها إن شغلك واقع في ديون.
وإنك بالعافية قادر توقف على رجليك.
علشان كده...
عمرنا ما فكرنا نطلب منك أي مساعدة زيادة.
في اللحظة دي...
حس ياسين إن الډم اتجمد في عروقه.
الخطابات؟
أي خطابات؟
هو...
عمره ما كتب لهم خطاب واحد.
ولا مرة.
وفي نفس الليلة...
قعدوا كلهم حوالين السفرة.
لكن...
السفرة ما كانتش شبه أي سفرة كان فاكرها.
في النص...
طبق صغير من شوربة خفيفة...
لدرجة إن المية كانت أكتر من أي حاجة تانية.
وجنبه...
أربع أرغفة عيش ناشفة.
وزجاجة بلاستيك صغيرة...
جواها آخر كام قرص دوا ضغط كانوا فاضلين مع سامي.
أما البوتاجاز...
فكان مطفي.
من زمان.
مش علشان مفيش أكل...
لكن علشان يوفروا في فاتورة الغاز والكهربا.
ورغم إنهم كانوا جوا البيت...
كانت تهاني لابسة بلوفرين فوق بعض...
بتحاول تدفي جسمها بأي طريقة.
فضل ياسين يبصلهم...
وقلبه بينزل مع كل تفصيلة بيشوفها.
طول السنين دي...
كان فاكر إنه بيبعت لهم كل شهر مبلغ يكفيهم يعيشوا ملوك.
لكن الحقيقة...
إن أبوه وأمه...
كانوا بيحاربوا كل يوم...
علشان يعرفوا يعيشوا لليوم اللي بعده.
بصلهم ياسين...
وقال بصوت هادي...
لكن كان فيه ۏجع عمره ما حس بيه قبل كده
الفلوس اللي كنت ببعتها كل شهر...
كانت بتروح فين؟
رفعت تهاني عينيها ناحيته باستغراب.
وبطلت تاكل.
وحطت المعلقة على الطبق ببطء.
وقالت وهي مش فاهمة
فلوس إيه يا ابني؟
إنت بتتكلم عن إيه؟
وقبل ما ياسين يرد...
اتفتح باب الشقة.
دخل حازم.
شايل كام كيس بلاستيك خفاف...
وعلى وشه ابتسامة كبيرة.
أول ما شاف ياسين...
فتح دراعاته وقال بفرحة مصطنعة
ياااه!
ياسين!
إيه المفاجأة الحلوة دي؟
ما كنتش أعرف إنك جاي!
حط الأكياس على رخامة المطبخ...
وقعد معاهم على السفرة.
وبدأ يتكلم...
عن الشارع.
والجو.
والزحمة.
وأخبار الجيران.
كأن كل حاجة طبيعية.
لكن ياسين...
كان مركز في حاجة تانية.
كل مرة...
يحاول يفتح موضوع التحويلات البنكية...
كان حازم يغير الكلام بسرعة.
يسأل عن السفر.
أو الشغل.
أو يضحك على أي موقف.
المهم...
ما يردش.
ولا مرة.
ولا حتى على سؤال واحد مباشر.
وده...
خلى الشك يكبر جواه أكتر.
لكن...
كان في حاجة تانية لفتت انتباهه.
طول القعدة...
كان حازم يبص كل شوية ناحية دولاب خشب قديم...
واقف في طرقة البيت.
نظرات سريعة...
ومتكررة.
كأنه بيتأكد...
إن حاجة معينة...
لسه مكانها.
تبع ياسين نظراته.
وفي آخر رف داخل الدولاب...
كان فيه صندوق خشب صغير...
مغطي بطبقة تراب...
ومتربط بعناية بشريط أزرق فاتح.
ومن أول ما وقعت عينه عليه...
حس...
إن كل الإجابات اللي بيدور عليها...
مستخبية جواه.
في وقت متأخر من الليل...
بعد ما البيت كله نام...
خرج ياسين من أوضته بهدوء.
خطواته كانت بطيئة...
علشان ما يصحيش حد.
وقف قدام الدولاب الخشب القديم.
ومد إيده...
وفك الشريط الأزرق بعناية.
ثم فتح الصندوق.
في اللحظة دي...
حبس نفسه.
الصندوق...
كان مليان خطابات.
عشرات الخطابات.
كل خطاب...
متكتب عليه اسمه.
ياسين.
وكل توقيع في آخر الورقة...
كان نسخة شبه مطابقة لتوقيعه الحقيقي.
بدأ يقلب فيهم واحد ورا التاني.
ومع كل سطر...
قلبه كان بينقبض أكتر.
كل الخطابات...
كانت بتحكي نفس الكذبة.
إنه خسر كل فلوسه.
وإن شركته أعلنت إفلاسها.
وإنه بقى بالكاد يعرف يصرف على نفسه.
وإنه مش قادر يزورهم...
ولا حتى يرد على مكالماتهم.
وكان في آخر كل خطاب...
رجاء واحد متكرر
أرجوكم... ما تحاولوش تتصلوا بيا تاني.
أنا مش قادر أتحمل أي ضغوط دلوقتي.
إيد ياسين بدأت ترتعش.
رفع الخطابات كلها...
فلقى ورقة تانية مستخبية تحتها.
كانت...
كشف حساب بنكي.
لكن أول سطر فيه...
خلّى قلبه يقف.
تفويض بإدارة الحساب.
نزل بعينه على الاسم المكتوب تحت.
واتجمد مكانه.
الشخص المفوض بالتصرف في الحساب هو
حازم...
المنصوري.
في اللحظة دي بالضبط...
صدر صوت خفيف وراه.
صوت خشبة...
بتئن تحت وزن حد واقف.
لف ياسين بسرعة.
كان حازم واقف في ضلمة الطرقة.
وشه...
كان شاحب بطريقة مخيفة.
وفي إيده...
مفتاح نحاس صغير.
كان ماسكه بقوة...
لدرجة إن مفاصل صوابعه كلها ابيضّت.
فضلوا يبصوا لبعض...
ثواني طويلة...
لحد ما حازم كسر الصمت.
وقال بصوت بارد...
خالي من أي مشاعر
اقفل الصندوق.
حالًا.
وسكت لحظة...
قبل ما يكمل وهو مثبت عينه في أخوه
في حاجات جوه...
لو أبويا وأمي عرفوها...
عمرهم ما هيستحملوا