بعد عشر سنين

موقع أيام نيوز

رجع ياسين أخيرًا...
بعد عشر سنين من الغربة.
كان راجع وهو محقق كل أحلامه.
ومعاه ثروة تكفي إنه يعيش أبوه وأمه بقية عمرهم في راحة وكرامة.
لكن...
أول ما فتح باب بيتهم...
لقى الحقيقة اللي هدت الدنيا فوق دماغه.
أمه كانت قاعدة ترتعش من البرد...
وأبوه ما كانش لاقي حتى تمن دواه.
بص لها مصډوم وقال
إيه اللي وصلكم للحال ده؟
بصت له أمه بعينين مليانين انكسار...
وهمست
شركة أخوك أفلست يا ابني...
هو قال لنا إنك بطلت تبعت فلوس... وإنه هو اللي شايلنا على قد ما يقدر.
علشان كده استحملنا.
ياسين...
ما ردش.
ولا دخل في جدال.
فتح الصندوق الخشبي القديم اللي كان جنب سرير أبوه...
وطلع منه رزمة خطابات.
كلها...
باسمه.
لكن...
ولا واحد منهم كان بخطه.
وفي اللحظة دي...
رفع تليفونه...
واتصل بمحاميه.
ومن هنا...
بدأت الحقيقة اللي ما كانش مستعد يسمعها.
الحقيقة اللي كشفت...
مين الشخص اللي كان بيسحب كل جنيه كان بيبعته لأبوه وأمه...
شهر بعد شهر...
ولمدة تقرب من عشر سنين.
والأصعب من كده...
إن بيتهم نفسه...
كان على وشك يضيع.
كفاية قسۏة بقى...
قالها مازن وهو واقف قدام ياسين.
أخوك بقاله سنين بيحارب علشان شركته ما تقعش.
بطل تطلب منه فلوس.
ما كانش يعرف...
إن ياسين كان لسه قافل كشف الحسابات البنكية.
وفي إيده...
الدليل اللي يثبت إن مبلغ خمسة وثلاثين ألف دولار...
كان بيختفي...
كل شهر.
من غير استثناء.
رجع ياسين إلى القاهرة...
بعد ما قضى ما يقرب من عشر سنين في مدينة تانية، أسس خلالها سلسلة ناجحة من دور رعاية كبار السن.
الشغل كان بياخد كل وقته.
ليل ونهار.
لكن...
كان في حاجة واحدة عمرها ما اتغيرت.
في أول كل شهر...
كان يحول مبلغ ثابت لأبوه سامي وأمه تهاني.
وكل تحويل...
كان بيكتب فيه نفس الملاحظة
للعلاج... والأكل... ومصاريف البيت.
على مدار السنين...
كانت تهاني تحاول تكلمه مرات لا تُحصى.
لكن تليفونه...
كان في أغلب الوقت مقفول بسبب الشغل.
وكل ما تقلق...
كان أخوه الأكبر حازم يطمنها بنفس الكلمات
أنا بروحلهم كل يوم.
كل احتياجاتهم متوفرة.
ما تقلقيش على حاجة.
وكان ياسين...
يصدق.
لأنه كان عايز يصدق.
ما كانش نفسه في حاجة...
قد ما كان نفسه يعرف...
إن أبوه وأمه عايشين مرتاحين...
قبل ما يسيب المدينة ويرجع...
كان ياسين راسم في خياله لحظة الرجوع مئات المرات.
كان متخيل أول ما يدخل البيت...
هيشم ريحة القهوة اللي أمه كانت دايمًا تعملها الصبح.
وصينية مليانة فطاير وحلويات على السفرة.
وأبوه قاعد يضحك...
ويحكي نفس الحكايات القديمة اللي كان حافظها عن ظهر قلب.
حتى الهدايا...
كان مختارها بنفسه.
اشترى لأبوه ساعة دهب شيك...
كان عارف إنه هيحبها.
ولأمه...
جاب شال صوف ناعم ودافي...
علشان ما تشتكيش من البرد تاني.
لكن المفاجأة الأكبر...
ما كانتش الهدايا.
كان ناوي يفاجئهم بخبر...
إنه اشترى لهم بيت جديد.
بيت صغير...
هادي...
وفي منطقة راقية.
مكان يليق بسنين التعب اللي عاشوها.
وكان متأكد...
إن دموع الفرح هتسبق أي كلمة.
لكن...
أول ما عربيته وقفت قدام البيت القديم...
كل أحلامه...
وقفت هي كمان.
اتجمد مكانه.
الشبابيك...
كانت متشققة.
والدهان متآكل.
وسطل بلاستيك قديم...
محطوط تحت السقف.
كان بيجمع نقط المية...
اللي بتنزل واحدة ورا التانية من السقف.
فضل باصص للمشهد...
ثواني طويلة.
وسأل نفسه
أنا... جيت عنوان غلط؟
لكن...
لأ.
ده كان نفس البيت.
نفس الباب.
ونفس الشارع.
أول ما دخل البيت...
اختفت كل الفرحة اللي كان شايلها معاه.
وحل مكانها...
إحساس تقيل بالذنب.
ذنب...
كأنه كان غايب عنهم عمر كامل...
مش عشر سنين.
كان أول ما وقع نظر ياسين عليه...
الحوائط.
الدهان...
كان بيتقشر في شرائط طويلة.
كأن السنين...
أكلت البيت حتة حتة.
أما السقف...
فكانت بقع الرطوبة السودة منتشرة فيه...
بشكل يوجع القلب.
وفجأة...
اتفتح باب البيت.
ظهر سامي.
لكن...
ما كانش نفس الأب اللي سابه من عشر سنين.
كان واقف بصعوبة...
وساند جسمه على عصاية خشب قديمة.
حتى العصاية نفسها...
كانت مکسورة ومتربطة بشريط لاصق من كتر ما استخدمها.
وقبل ما ياسين ينطق...
خرجت تهاني تجري عليه.
حضنته بكل قوتها...
وكأنها خاېفة يختفي تاني.
ودفنت وشها في كتفه...
وبدأت ټعيط في هدوء.
وقالت وهي بتحاول تمنع دموعها
يا ضنايا...
ما كانش لازم تصرف من فلوسك وتيجي بنفسك.
إنت أصلًا عندك همومك...
ومشاكلك المادية مكفياك.
ابتعد ياسين عنها ببطء...
وبص لها باستغراب شديد.
ملامحه كلها
 

تم نسخ الرابط