جوزى قاله انه مسافر شغل
مبعثًا للسکينة، بل كان صمت الکاړثة، ذلك النوع من السکينة التي تسبق انفجار بركان غاشم.
نظرت إلى التورتة التي كانت بين يدي، ثم إلى أكياس الفطير الطازة التي حرصت على أن أختارها بعناية فائقة، ظنًا مني أنني سأدخل بها بيت حزينة محطمة لتواسيها. كم كنت غبية، وكم كانت السذاجة تكسو روحي. الفطير الذي تحسسته حرارته بيد كاد يبرد، تمامًا كما بردت دمش في عروقي وأنا أرى خېانة زوجية ليست عابرة، بل مؤسسة بالكامل، مرخصة من الأم، ومباركة من الجميع على حساب عمري، وصحتي، وأيامي التي أهديتها لهم بلا حساب.
تحركت خطوات بطيئة، غير مبالية بنظرات الړعب المرتجفة في عين كريم، ولا بنظرات التهرب المستترة لنجلاء، ولا حتى بنظرات البرود المتعجرف التي رمتني بها حماتي وكأنها صاحبة الحق الأوحد في هذا الكون.
تخطيت كريم الذي انكمش في مكانه وكأنه شاهد عيان على حاډث سير، ودخلت من باب الشقة. لم أكن أبكي، ولم أكن أرتجف. كان هناك نوع غريب من البرود القاټل قد تملكني، برود يشبه تجمد المياه في أعماق البحيرات القطبية.
قالت حماتي بنبرة محاولة لضبط إيقاع الموقف وكأنها تدير جلسة صلح عائلية
يا بنتي، اقعدي واهدي، العقل زينة. الموضوع أبسط بكتير من اللي في دماغك. كريم ما كذبش عليكِ في حاجة جوهرية. نجلاء كانت محتاجة، وجوزها الله يرحمه كان صاحبه الروحي، والوصية واجبة، والبيت ده...
التفتُ إليها ببطء شديد، وقطعت كلامها بنبرة صوت هادئة لكنها كانت تحوي حِدّة جعلتها تبتلع باقي جملتها
البيت ده؟ تقصدي بيت مين يا أمي؟ بيت صاحبه المرحوم اللي ساكنة فيه مراته وأخته و... ولا تقصدي الشقة اللي أنا فرشها قرش بقرش من تعب أبويا الله يرحمه ومؤخري اللي ما سدتهوش؟ ولا تقصدي إيه بالضبط؟
توترت حماتي وقالت بحدة دفاعية
إنتِ بتقولي إيه وقلة الأدب دي جت منين؟ تعب أبوكِ إيه ومؤخر إيه؟ إحنا ناس محترمين، وكريم راجل وعمل الصح، ستر على أرملة صاحبه وحماها، وبكرة العيال دي تكون عزوة لبعضها!
عيال؟ تقصدي عيل واحد لحد دلوقتي، ولا فيه أكتر وأنا نايمة على وداني؟ قلتها ببرود، وأنا أتفحص وجه نجلاء التي انكمشت خلف الكنبة وكأنها تختبئ من شبح الماضي الذي عاد ليطاردها.
الفصل الثاني المفتاح الخفي
وسط ذهولهم من هدوء رد فعلي غير المتوقع، لم أكن أخطط للمشاجرة العادية. لم أكن أريد أن أصرخ أو ألقي بالأطباق على جدران الشقة كما تفعل النساء في المسلسلات. لقد أدركت في تلك اللحظة أن الصړاخ يمنحهم شعورًا بالقوة، يمنحهم مبررًا ليقولوا المچنونة التي لا تفهم، بينما البرود القاټل هو السلاح الوحيد القادر على زعزعة غرورهم.
نظرت إلى كريم وقلت بصوت حاسم
شنتتك موجودة جوه يا كريم؟ ولا لسه ما خلصتش هدوم السفر اللي في المحافظة التانية؟
ابتلع ريقه