رواية جديدة
المحتويات
على التحرك بحرية منذ أن جاء أبي.
ساد صمت قصير، صمتٌ لم يكن خاليًا، بل كان ممتلئًا بتردّد، وكأن الكلمات التالية ستحدد شيئًا مهمًا.
ثم جاء صوت مارا، منخفضًا، مترددًا، وكأنه يحاول أن يوازن بين الرحمة والمنطق
لكنه يظل والدك
تنفّس كارلو بعمق، وكأن هذا النفس يحمل ثقل أيام طويلة من التفكير المكبوت.
نعم لكنه مُرهق. كل قراراتنا تتأثر به. لم نعد نعيش بحرية في منزلنا.
تلك الكلمة
مُرهق
لم تكن مجرد كلمة عابرة.
كانت كطعڼة صامتة.
كأن يدًا باردة امتدت فجأة لتقبض على قلب مانغ ريكاردو، فشلّت حركته، وأوقفت أنفاسه لوهلة. لم يستطع أن يتحرك، لم يستطع أن يبتعد، ولم يستطع حتى أن يطرق الباب فقط وقف هناك، كأن جذوره نبتت في الأرض.
في تلك اللحظة، لم يسمع سوى صدى تلك الكلمة يتردد في داخله
مُرهق مُرهق مُرهق
كم من مرة قالها هو في حياته؟
كم مرة شعر بالتعب ولم ينطق؟
كم ليلة سهر فيها وهو يفكر كيف يوفر لابنه حياة أفضل؟
كم صباح خرج فيه إلى الحقول قبل شروق الشمس، وعاد بعد الغروب، وجسده مثقل، لكنه يبتسم عندما يرى كارلو يدرس أو ينام بطمأنينة؟
لكنه لم يقل يومًا إنه مُرهق.
لم يسمح لنفسه بذلك.
لأن الأب لا يتعب.
هكذا كان يظن.
هكذا عاش.
وهكذا أحب.
لكن الآن
ها هو ابنه يقولها عنه.
استدار مانغ ريكاردو ببطء، كأن كل حركة منه تحتاج إلى جهد مضاعف. لم يُصدر صوتًا، لم يترك أثرًا، وكأنه يخشى أن يسمع أحد انكسار قلبه.
عاد إلى غرفة المعيشة.
جلس على طرف الفراش الصغير، ذلك الفراش الذي لم يكن يليق بعمره، ولا بمكانته، لكنه قبله دون تردد، لأنه ببساطة ضيف.
رفع عينيه نحو السقف.
لم يكن هناك شيء يراه.
لكن ذهنه كان ممتلئًا.
ذكريات
وجوه
أيام مضت
صوت زوجته الراحلة
ضحكة كارلو وهو طفل
دموعه عندما سقط أول مرة
فرحته عندما نجح
كل شيء مرّ أمامه كفيلم طويل، لكنه هذه المرة لم يكن يشعر بالفخر فقط
بل بشيء آخر
شيء ثقيل
شيء مؤلم
ولأول مرة منذ سنوات طويلة، لم يفكر في التعب الجسدي.
بل في تلك الكلمة.
مُرهق.
هل أصبح هو فعلًا عبئًا؟
هل تحوّل حبه إلى ضغط؟
هل كانت تضحياته سببًا في تقييد حياة ابنه؟
أسئلة كثيرة
ولا إجابة.
ظل جالسًا حتى بدأ الضوء يتسلل من خلف الستائر، معلنًا قدوم صباح جديد، لكنه لم يكن صباحًا عاديًا.
كان صباح قرار.
استيقظ مانغ ريكاردو بهدوء، كعادته، دون أن يُحدث أي صوت. نظر حوله، الشقة لا تزال ساكنة، وكأنها لم تشهد ما حدث في الليلة الماضية.
تقدم بخطوات بطيئة نحو المطبخ.
وجد كارلو هناك.
يجلس، يحتسي قهوته، وعيناه مثبتتان على هاتفه.
لم يرفع رأسه فورًا.
ولم يبتسم.
فقط قال بنبرة عادية، لكنها باردة
أبي، لقد استيقظتَ باكرًا.
ابتسم مانغ ريكاردو.
تلك الابتسامة التي تعلّم أن يخفي بها كل شيء.
سأعود إلى القرية اليوم.
هذه المرة، رفع كارلو رأسه.
تجمّد للحظة.
بهذه السرعة؟ ظننت أنك ستبقى بضعة أيام.
هزّ مانغ ريكاردو رأسه بلطف.
أنا بخير. لقد رأيتكما.
كانت جملة بسيطة.
لكنها كانت تعني الكثير.
لقد رأيتكما
أي لم أعد
متابعة القراءة