رواية كامله
تبص في الأرض
لكن النهارده وأنا بكلمك في الكافيه اكتشفت إني مش قادرة.
مش قادرة أخسرك.
قبل ما أرد
الباب اتفتح پعنف.
ودخل شاب في أوائل الثلاثينات، هدومه متبهدلة وعينيه كلها دموع.
أول ما شاف سارة، جري عليها.
وقال بصوت مخڼوق
الحمد لله إني لحقتك!
أنا بصيتله باستغراب.
وهو طلع من جيبه ظرف أبيض صغير.
ومده لسارة وهو بيقول
أنا دورت عليك من الصبح ولو مكنتش هنا، عمري ما كنت هعرف أشكرك.
سارة فتحت الظرف بارتباك
وأول ما شافت اللي جواه
اڼهارت في البكاء.
أما أنا
فماكنتش فاهم أي حاجة لسه فضلت واقف مكاني، مش فاهم إيه اللي بيحصل.
الشاب مسح دموعه وقال وهو بيبص لسارة
فاكراني؟
سارة حاولت تركز في وشه.
وفجأة فتحت عينيها بدهشة.
أنت... أحمد؟
ابتسم رغم دموعه.
أيوه... أحمد.
لف ناحيتي وقال
حضرتك متستغربش... أنا المړيض اللي كان داخل الطوارئ من ست شهور بعد حاډث الطريق الصحراوي.
بدأت سارة تفتكر.
الحاډث اللي فضلت فيه أكتر من 12 ساعة واقفة على رجليها، من غير ما تقعد دقيقة.
أحمد كمل
أنا كنت بين الحياة والمۏت... وكل الدكاترة كانوا بيجروا بين الحالات، لكن هي رفضت تسيبني لحظة.
بص لسارة وقال
فاكرة لما كنت بقولك سيبيني... أنا خلاص بمۏت؟
نزلت دمعة من عين سارة وهزت رأسها.
قال
إنتِ قلتيلي وقتها طول ما أنا واقفة جنبك... هتقوم.
سكت لحظة، ثم طلع صورة صغيرة من الظرف.
كانت صورة لطفلة عندها حوالي أربع سنين.
ابتسم وقال
دي بنتي.
ثم طلع صورة تانية.
زوجته واقفة جنبه وهي حامل.
قال بصوت مكسور
لولا ربنا... ثم إنتِ... بنتي كانت هتكبر من غير أبوها.
مد لسارة الظرف.
ده جواب شكر كتبتهولك... ومعاه دعوة عيد ميلاد بنتي.
سارة مسكت الصور بإيديها الاتنين، وفضلت تبكي في هدوء.
أنا وقتها فهمت ليه كانت بترجع كل يوم منهكة... وليه عمرها ما كانت بتتكلم عن نفسها.
كانت شايلة حكايات ناس كتير... من غير ما حد يعرف.
أحمد بصلي وقال
لو هي وافقت تكمل حياتها معاك... حافظ عليها.
ابتسم ابتسامة حزينة.
هي بتنقذ ناس كل يوم... لكن محدش بيفكر ينقذها هي.
خرج من الأوضة بعد ما سلم علينا.
وساب وراه صمت غريب.
أنا قربت من سارة.
ومدت إيدي أمسح دموعها.
قلت بهدوء
ممكن دلوقتي أعرف... إيه اللي مخوفك بجد؟
رفعت عينيها ليا.
وأخذت نفسًا طويلًا.
وقالت
فيه حاجة عمري ما قلتها لحد...
وسكتت.
فضلت باصة في الأرض كأنها بتحارب نفسها.
وبعدين همست
السبب الحقيقي اللي خلاني أرفض الترقية... مش الشغل.
رفعت عينيها ناحيتي.
وقالت بصوت مرتعش
السبب... إني من أسبوعين عملت تحاليل... والنتيجة قلبت حياتي كلها...
ثم فتحت شنطتها ببطء...
وأخرجت ظرفًا طبيًا مختومًا.
ومدته ناحيتي وهي تقول
اقرأه... وبعدها قرر إذا كنت لسه عايز تكمل معايا.
يتبع...مديت إيدي ناحيته...
لكن قبل ما ألمس الظرف، رجعته لها.
قلت بهدوء
لو فيه حاجة تخصك... أحب أسمعها منك، مش من ورقة.
بصتلي باستغراب.
كأنها كانت مستنية أشوف النتيجة الأول.
فتحت الظرف بإيديها.
وأخرجت التقرير.
وقالت وهي بتحاول تثبت صوتها
من أسبوعين، وأنا بشتغل في الطوارئ، فقدت الوعي فجأة.
هزيت راسي وأنا بسمع.
كملت
الدكتور طلبلي تحاليل كاملة... وأشعة... وقال لازم أرتاح.
سكتت لحظة.
ثم ابتسمت ابتسامة مريرة.
وأنا طبعًا مرحتش.
قلت
وده اللي مخوفك؟
هزت رأسها بالنفي.
وقالت
لما رجعت أستلم النتيجة... قالولي عندي إرهاق شديد، وأنيميا حادة، ونقص فيتامينات، ولو كملت بنفس الطريقة ممكن أوقع في أي وقت.
تنفست الصعداء بدون ما أحس.
هي بصتلي باستغراب.
وقالت بسرعة
إنت... مش متضايق؟
ضحكت لأول مرة من ساعة ما دخلت.
وقلت
أنا افتكرت التقرير فيه حاجة أخطر بكتير.
بدأت هي تضحك وسط دموعها.
وقالت
أنا كبرت الموضوع في دماغي.
قلت
إنتِ اللي مديتي لكل الناس حقهم في الراحة... وجي الوقت تدي نفسك نفس الحق.
في اللحظة دي...
خبط حد على الباب.
دخل دكتور حسام وهو مبتسم.
وقال لسارة
فيه حد مستنيكي برا.
استغربت.
خرجنا معاه.
أول ما فتح باب الاستراحة...
اتفاجئنا إن ممر الطوارئ كله واقف.
دكاترة.
ممرضين.
عمال نظافة.
ورجال أمن.
أكتر من خمسين شخص.
وأول ما شافوا سارة...
بدأوا يسقفوا.
هي بصتلهم وهي مش مستوعبة.
واحدة
من الممرضات قربت
منها وقالت
إنتِ فاكرة إن محدش شايف تعبك... بس إحنا كلنا شايفينه.
دكتور كبير طلع لقدام.
وقال
إدارة المستشفى كانت هتعلن الترقية الأسبوع الجاي... لكن قبلها كل العاملين وقعوا على طلب واحد.
سارة همست
طلب إيه؟
ابتسم الدكتور.
وأخرج ورقة.
إن الترقية تتقبل... لكن بشرط.
سارة استغربت.
شرط؟
قال
تشتغلي بعدد ساعات أقل... ويتعين فريق كامل يساعدك.
بصتله بعدم تصديق.
قال وهو بيضحك
لأول مرة في المستشفى كلها... الإدارة وافقت.
الكل رجع يسقف.
وسارة كانت واقفة تبكي...
لكن المرة دي...
ما كانتش دموع تعب.
كانت دموع حد اكتشف أخيرًا إن فيه ناس شايفة قيمته.
وفي اللحظة دي...
بصتلي.
وقالت قدام الكل
واضح إن المرة دي... مش أنا اللي اتنقذت.
تمت.