رواية جديدة
المحتويات
مريضة!
أدركت في اللحظة دي إن كل موقف قديم كنت بفسره على إنه قسۏة من أمي، كان في الحقيقة درع حماية بدائي وموجع كانت بتحاول تظلل بيه عليّ وعلى بيتي. كان حرصها الخاطئ و قلة حيلتها هما اللي صنعوا الجدار ده بيني وبينها.
في نفس اليوم، أخذت ولادي ورجعت لبيت أمي. أول ما فتحت لي الباب، ما نزلتش دموعي، ولا عاتبتها.. رميت نفسي في حضنها، وبكيت بحړقة، وقعدت أقبّل إيديها وراسها. أمي اندهشت واستغربت، ولما لقيت أختي واقفة ورانا، فهمت إن الحقيقة اتكشفت.
اڼفجرت أمي في البكاء وهي بتضمني بقوة وتقول لي سامحيني يا بنتي.. والله ما كان باستطاعتي غير كدة.. كنت خاېفة يخربوا بيتك ويحرموكي من جوزك وعيالك.. كنت باكل في نفسي وأنا بطلع الجبنة لولادك وعارفة إن في الفرن أكلهم المفضل، بس كنت حاسة إن عيونهم مراقباني في كل خطوة!
في اللحظة دي، اتغير كل شيء جوايا. القوة اللي كانت غايبة عني سنين ظهرت فجأة. قررت إن الزعزعة والخۏف انتهوا، وإن حماتي مش هتحكم حياتنا تاني ولا هتمارس إرهابها النفسي على أمي الطيب. وقفت قدام أمي وقلت لها بثبات بيت أهلي هو أمسي وأماني، وما فيش مخلوق على وجه الأرض يقدر يبتزك عشان يحميني.. حمايتي في إيد ربنا، وحقي وحق ولادك هاخده بالقانون وبالأصول.
جمعت أولادي، وقعدنا كلنا سوا، وطلعت أمي صينية الأكل اللي كانت شايلاها، وأكلت ولادي بيدها وهي بتضحك وتبكي في نفس الوقت، ولأول مرة من سنين طويلة، حسيت إن الدفء رجع لبيت أمي، وإن الظلم اللي عشته ما كانش قسۏة قلب، بل كان حبًا أعمى خاېف من البطش.
ومن اليوم ده، واجهت جوزي وحماتي بحقيقة كل اللي حصل، وحطيت حدود صارمة وجدار فتي قاطع لا يمكن اختراقه بين حياتي الخاصة وبين تدخلاتهم، وعرفت إن الأسرار لما بتنكشف بتداوي القلوب، وإن أمي كانت ولا زالت أعظم سند، حتى لو كانت حمايتها لينا في يوم من الأيام توجع.
ولم تكن تلك المواجهة سوى الشرارة الأولى التي فجّرت نيرانًا كانت خامدة تحت الرماد؛ لأن إخراج السر إلى النور لم ينهِ الأزمة، بل نقل الحړب من الكتمان والابتزاز النفسي إلى العلن.
في المساء نفسه، عدتُ إلى بيتي وأنا أحمل في صدري يسرًا جديدًا وشجاعة لم أعهدها في نفسي من قبل. أخذتُ طفليّ وأجلستهما في غرفتهما، ثم توجهتُ إلى الصالة حيث كان زوجي يجلس يتابع هاتفه بلامبالاة. جلستُ أمامه بثبات، وقبل أن يسألني عن سبب تأخري أو نظراتي الصارمة، وضعتُ أمامه تسجيلًا صوتيًا كنتُ قد سجلته لأختي وهي تسرد لي التفاصيل الكاملة لابتزاز والدته وأخته لأمي، مدعومًا بشهادات ورسائل نصية كانت أختي قد استطاعت الحصول عليها بين والدتي وحماتي.
استمع زوجي للصوت، وشخصت عيناه، واستحال وجهه إلى اللون الأبيض.
متابعة القراءة