رواية جديدة
لسه ماسك عقد الملكية، بيقلب صفحاته بعصبية، كأنه مستني يلاقي اسمه مكتوب في سطر مستخبي.
لكن كل صفحة كانت بتأكد الحقيقة أكتر.
البيت...
ماكانش ملكه.
ولا عمره كان.
حماتي قربت مني وهي بتصرخ
إنتي هتندمي على اللي بتعمليه ده!
بصيتلها بمنتهى الهدوء.
أنا ندمت فعلًا... يوم افتكرت إن الاحترام بيتقابل بالسكوت.
كريم أخد نفس طويل وقال
خلاص... حصل سوء تفاهم. ندخل جوه ونتكلم.
هزيت راسي.
الكلام انتهى من امبارح.
ياسمين... إحنا متجوزين.
آه.
يبقى مينفعش تطرديني.
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
أنا مطردتش جوزي.
وسكت لحظة.
أنا خرجت راجل اعتدى عليا من بيتي.
وشه شحب فجأة.
بص حواليه بسرعة.
الجيران بدأوا يطلعوا على البلكونات.
والبعض وقف قدام البيوت يتابع اللي بيحصل.
أول مرة...
هو اللي يحس بالإحراج.
مش أنا.
في اللحظة دي...
وقفت عربية سودة قدام البيت.
نزل منها راجل في الخمسينات، لابس بدلة شيك، وفي إيده شنطة جلد.
أول ما شوفته...
عرفته.
أستاذ شريف.
المراجع القانوني لشركات والدي من أكتر من عشرين سنة.
قرب مني وسلم عليا.
وبعدين بص لكريم وقال
حضرتك الأستاذ كريم؟
أيوه.
طلعلُه ظرف كبير مختوم.
اتفضل... ده إخطار رسمي.
كريم فتح الظرف بسرعة.
كل ما كان بيقرأ سطر...
ملامحه كانت بتتغير.
الأول استغراب...
بعدها توتر...
وبعدين خوف حقيقي.
حماتي خطفت الورق من إيده.
إيه ده؟
أستاذ شريف رد بهدوء
إخطار بوقف جميع صلاحياته في مجموعة شركات عبدالسلام، وإنهاء التوكيل الإداري الصادر له.
حماتي اتعصبت.
صلاحيات إيه؟ ابني شغال بعرقه.
بصيتلها.
ابنك عمره ما كان شريك.
وسكت ثانية.
كان مجرد مدير... وأنا صاحبة الشركة.
كريم رفع عينه ناحيتي بذهول.
إنتي... إنتي بتفصليني؟
لا.
أمال ده إيه؟
أنا بنهي تكليف موظف خان الأمانة.
أستاذ شريف فتح الشنطة، وطلع ملف تاني.
وده تقرير المراجعة الداخلية.
كريم اتوتر.
تقرير إيه؟
فتح الملف وقال
آخر ست شهور... في تحويلات مالية غير مبررة.
ومصاريف شخصية اتسجلت على حساب الشركة.
ورحلات خاصة.
وفواتير فنادق.
ومشتريات باسم والدتك.
كل كلمة...
كانت بتنزل على كريم زي المطرقة.
صړخ بعصبية
أنا كنت ناوي أسددهم!
رد أستاذ شريف بهدوء
وده تشرحه قدام النيابة الاقتصادية.
سكت الشارع كله.
حتى حماتي...
أول مرة متلاقيش كلمة تقولها.
أما أنا...
فكنت واقفة أبص لكريم.
وافتكرت كل مرة قالي فيها
متقلقيش... أنا هتصرف.
اكتشفت أخيرًا...
إنه كان بيتصرف فعلًا.
بس...
بفلوسي أنا.
وفي اللحظة دي بالظبط...
وقفت عربية شرطة قدام البوابة.
ونزل منها ضابط ماسك في إيده ملف...
وقال بصوت واضح
الأستاذ كريم عبدالعزيز؟... محتاجين حضرتك بخصوص بلاغ جديد اتقدم النهارده.
وقتها فقط...
فهم كريم إن نهاية جوازنا...
كانت مجرد بداية سقوطه الحقيقي.
الضابط وقف قدام كريم، وفتح الملف اللي في إيده.
الأستاذ كريم عبدالعزيز؟
كريم حاول يرجع ثقته بسرعة، وعدل ياقة قميصه وقال
أيوه... خير؟
الضابط بص في الورق وقال بهدوء
في بلاغ رسمي مقدم ضد حضرتك پتهمة الاعتداء الجسدي، وإتلاف ممتلكات، وإساءة استخدام أصول الشركة، وفيه تسجيلات وكاميرات مرفقة مع البلاغ.
حماتي اتدخلت بسرعة.
ابني معملش حاجة! دي مراته وبتنتقم منه!
الضابط بصلها باحترام وقال
كل ده هيتحقق فيه، لكن التسجيلات واضحة، وإحنا بننفذ الإجراءات القانونية.
كريم لف ناحيتي، وكانت دي أول مرة أشوف الخۏف الحقيقي في عينه.
ياسمين... بالله عليكي، اسحبي البلاغ.
بصيتله بهدوء.
لما كنت واقعة على أرض الحمام والدم بينزل من شفايفي... طلبت منك توقف.
وأنت كملت.
بلع ريقه وقال بصوت مكسور
أنا... كنت متعصب.
والتعصب مش مبرر للعڼف.
مد الضابط إيده وقال
حضرتك هتيجي معانا.
كريم حاول يقاوم للحظة، لكن أول ما بص حوالينه وشاف الجيران واقفين، والهواتف مرفوعة بتصور، أنزل راسه في الأرض، ومشى مع الضابط من غير كلمة.
أما حماتي، فكانت بتصرخ
إنتي ډمرتي ابني!
ابتسمت لأول مرة من أيام.
وقلت بهدوء
لا... أنا بطلت أحميه من نتائج أفعاله.
...
بعد أسبوعين...
صدر أمر حماية يمنعه من الاقتراب مني أو من البيت.
وبدأت إجراءات الطلاق رسميًا.
المراجعة المالية للشركة أثبتت كل التجاوزات، واتحولت القضية للمحكمة.
أما كريم...
فخسر وظيفته، وسمعته، وكل الامتيازات اللي كان فاكر إنها حق مكتسب.
وحماتي...
اضطرت تبيع شقتها الصغيرة عشان تدفع أتعاب المحامين، وبعد ما كانت بتتباهى قدام الناس بابنها الناجح، بقت تدخل المحكمة كل جلسة وهي مطأطية راسها.
...
أما أنا...
فأول حاجة
عملتها كانت إني غيرت أوضة النوم بالكامل.
شلت السرير.
غيرت الستاير.
ودهنت الحيطان.
كنت عايزة البيت يرجع يشبهني... مش يشبه الذكريات اللي كانت بتوجعني.
رجعت شغلي.
ورجعت أضحك.
وبقيت أنام من غير ما أصحى مڤزوعة من صوت باب بيتفتح.
...
بعد ست شهور...
كنت واقفة في جنينة البيت، بشرب قهوتي الصبح.
الشمس كانت داخلة من بين الأشجار، والنسمة هادية.
وصلني ظرف صغير بالبريد.
كان من كريم.
فتحته.
لقيت ورقة واحدة.
مكتوب فيها
عرفت متأخر إن القوة مش إنك ترفع إيدك... القوة إنك تعرف تحتوي اللي بيحبك. سامحيني.
قريت الرسالة مرة واحدة.
وطويتها.
ورميتها في المدفأة.
مش كرهًا...
لكن لأن بعض الصفحات، مهما كانت كلماتها، مكانها الطبيعي هو النهاية.
رفعت بصري ناحية البحيرة، وابتسمت.
أبويا كان دايمًا يقول لي
البيت الحقيقي مش اللي تملكيه... البيت الحقيقي هو المكان اللي محدش ېخوفك فيه.
وقتها أدركت إنه كان عنده حق.
أنا ما كسبتش قضية بس...
أنا استرديت نفسي.
والبيت اللي حاولوا ياخدوه مني...
فضل واقف زي ما هو.
لكن المرة دي...
ماكانش مجرد بيت.
كان أول مكان في حياتي أحس فيه بالأمان.