رواية جديدة

موقع أيام نيوز

درجات البشرة العادية إلى الأصفر الشاحب، ثم إلى الأبيض الناصع. فمه مفتوح، وعيناه جاحظتان كأنه يرى شبحًا. أما أخته سارة، فالأكياس التي كانت تحملها باهظة الثمن سقطت على الأرض، وتناثرت منها العلب الفاخرة لقطع الأجهزة الذكية وملحقاتها، لكن لم يعد أي شيء منها يهمها.
أما أنا فلم أكن أبكي، ولم أكن أصرخ كما اعتادت حماتي أن تفعل في أبسط المواقف. على العكس تمامًا، شعرت ببرود غريب ومفاجئ يتسرب إلى عروقي. وكأن كل سنوات الاستنزاف، والضغط النفسي، والتعدي المستمر على خصوصيتي وكياني، تبلورت في هذه اللحظة بالذات لتصنع مني شخصًا آخر لا يعرف الخۏف أو التردد.
أنهيت المكالمة مع موظف البنك ببرود شديد قائلة
شكرًا لك، أنا في طريق إلى الفرع الرئيسي فورًا لتقديم البلاغ الرسمي ومطابقة بصمة التوقيع مع الكاميرات.
وقبل أن ينطق طارق بحرف واحد، وقفتُ بكامل قوامي، ورفعت حقيبتي على كتفي، وخطوت خطوتين باتجاه الباب.
صړخ طارق بصوت مذعور ومهتز
استني يا بسمة! رايحة فين؟ تعالي هنا! موضوع إيه وبلاغ إيه؟ إنتي اټجننتي ولا إيه؟ هتبلغي عن مين؟ عن جوزك وأختك في قسم الشرطة؟! إنتي باين عليكي ضړبتي في مخك!
وقفت، ولم ألتفت إليه تمامًا، بل أجبته بنبرة هادئة وحادة كالماس
أنا مش بس اټجننت أنا فوقت يا طارق. فوقت على مدار سبع سنين كنت مفكرّة فيها إن العشرة والبيت الواحد بيعني احترام، وطلعت فاهمة كل حاجة غلط. أنت ما سرقتش فلوسي وبس أنت سړقت فلوس عملية أمي اللي بټموت بالبطيء عشان ست هانم أختك تفرش شقتها بأحدث الأجهزة!
تدخلت سارة وهي تحاول استرجاع شيئًا من طريقتها الاستفزازية القديمة، فقالت بصوت متحشرج ممزوج بالخۏف
إيه يا بسمة الحركات الرخيصة دي؟! كل ده عشان شوية فلوس؟ هيرجعوا! هو أخويا هيسيبك يعني؟ وبعدين ما إحنا أهل، وبيت واحد، والفلوس اللي معاكي مش غريبة عننا! بدل ما تقفي زي المحققين، تعالي اقعدي واهدي، وخلينا نحل الموضوع عائليًا بدل الڤضيحة اللي إنتي عاوزة تعمليها دي!
هنا تحديدًا اڼفجر البركان الذي كنت أحتفظ بناره داخل صدري طوال تلك السنوات.
التفتّ إليها ببطء، ونظرت إليها بنظرة جعلتها تتراجع خطوات للورق وتصطدم بالحائط. قلت بصوت يقطر غضبًا
أهل؟ بيت واحد؟ من إمتى كان بيتكم ده بيعتبرني أهل؟! من يوم ما دخلت الشقة دي وأنا بالنسبة ليكم بقرة حلوب بتجيب فلوس من شغلها الشاق، ومن إرث أبويا، ومن تعب سنيني، عشان أنتوا تصرفوا بمزاجكم! عربيتي اللي خربتوها، دهبي اللي انباع نصه تحت مسمى سلف مش هيرجع، لبسي اللي أختك كانت بتاخده وكأنه محطوط في محل، ودلوقتي وصلتوا لسړقة حساب البنك وتزوير إمضائي؟! دي مش عائلة يا سارة دي عصابة منظمة، وأنا قررت أعلن انسحابي منها نهائيًا!
فتح طارق فمه ليتكلم، لكنه لم يجد
الكلمات المناسبة. حاول أن يغير طريقته ويلجأ إلى
تم نسخ الرابط