رواية جديدة
أكافئك، لأن الحنان ما بيتباعش. أنا بكتبه علشان أحمي حقي وحقك من بعدي.
توقفت نورهان وهي تمسح دموعها.
ثم أكملت القراءة.
لو لقيتي الخزنة، خدي كل اللي فيها وروحي لمحاميّ قبل ما تسلمي أي ورقة لحد. جوه الخزنة مستندات تثبت الحقيقة، ولو حصل أي خلاف، خليه ياخد الإجراءات القانونية.
أغلقت الخطاب، ثم بدأت تراجع الملفات.
وجدت عقودًا قديمة، وإيصالات، وكشوفًا بنكية، ومذكرات بخط الجدة عن ممتلكاتها وكيف اشترتها على مدار سنوات.
كما وجدت فلاشة تحتوي على نسخ رقمية من المستندات، ورسائل صوتية سجلتها الجدة في الأشهر الأخيرة من حياتها، كانت تشرح فيها أماكن الأوراق وأسباب احتفاظها بها.
في الصباح، ذهبت نورهان مع المحامي سامح.
أعطته كل ما وجدته.
ظل يراجع الأوراق ساعات، ثم رفع رأسه وقال
فيه مستندات مهمة جدًا، لكن لازم نفحصها رسميًا ونتأكد من صحتها قبل أي خطوة.
أُرسلت الأوراق إلى الجهات المختصة لمراجعتها.
وبعد انتهاء الفحص، تبين أن عددًا من المستندات التي استندت إليها الوصية التي أُعلنت في العزاء يحتاج إلى تحقيق، لأن هناك اختلافات تستوجب المراجعة القانونية.
بدأت القضية أمام المحكمة المختصة.
في أول جلسة، دخل الأب بثقة.
وقال للمحامي ساخرًا
يعني هتضيعوا وقت المحكمة بخزنة قديمة؟
لكن عندما قدم سامح المستندات الأصلية، وتقارير الخبراء، ورسائل الجدة الصوتية التي أوضحت أماكن حفظ الأوراق وطلبها مراجعتها قانونيًا، تغيرت ملامح الجميع.
طلبت المحكمة ندب خبير لفحص المستندات والتوقيعات.
وبعد عدة أسابيع، انتهى التقرير.
أكد الخبير صحة المستندات الأصلية الموجودة بالخزنة، وأوضح أن بعض الأوراق التي استُخدمت في إجراءات توزيع التركة تحتاج إلى إعادة تقييم قانوني بسبب تعارضها مع الوثائق الأصلية.
لم يعد الأمر مجرد خلاف عائلي.
أصبح نزاعًا قانونيًا تُحسم فيه الحقوق بالأدلة.
بعد عدة جلسات، أصدرت المحكمة حكمها وفقًا لما ثبت لديها من مستندات صحيحة.
أُعيد توزيع التركة بما يتوافق مع الوثائق الأصلية والقانون، وأُبطلت الإجراءات التي ثبت عدم صحتها.
خرج الأب من المحكمة صامتًا.
أما الأم، فلم تستطع النظر في وجه ابنتها.
وفاطمة جلست تبكي.
قالت
إحنا إخوات... معقول توصلي بينا للمحاكم؟
ردت نورهان بهدوء
أنا ما روحتش المحكمة علشان أكسب عليكم... أنا رحت علشان الحقيقة ما تضيعش.
مرت أيام.
ثم طلب الأب مقابلة نورهان.
جلس أمامها لأول مرة بلا ڠضب.
وقال
أنا قصرت مع أمي... وقصرت معاكي.
لم تجبه.
أكمل
كنت فاكر إن وجودك جنبها واجب، وإن إحنا مشغولين. لكن الحقيقة إننا سبناها لوحدها.
ساد الصمت.
ثم قال
سامحيني.
قالت نورهان
أنا سامحتك على حقي الشخصي... لكن حق جدتي رجع بالقانون.
أما فاطمة، فكانت أكثر الناس تأثرًا.
دخلت غرفة جدتها لأول مرة بعد ۏفاتها.
فتحت الدولاب.
وجدت صندوقًا صغيرًا.
في داخله شريط ساتان قديم، وصورة لها وهي طفلة في حضڼ الجدة.
وخلف الصورة عبارة بخط الجدة كنت أتمنى تزوريني من غير مناسبة.
جلست تبكي طويلًا.
وأدركت أن ما خسرته لم يكن ميراثًا.
بل سنوات من القرب لم تعد تعود.
بعد انتهاء جميع الإجراءات، قررت نورهان ألا تبيع بيت جدتها.
بل رممته.
احتفظت بغرفتها كما هي.
وبقيت الصورة الكبيرة معلقة في مكانها.
لكنها لم
تعد تخفي خزنة.
بل أصبحت تذكّرها كل يوم بأن الحقيقة قد تبقى مخفية فترة، لكنها لا تختفي إلى الأبد.
واستخدمت جزءًا من نصيبها في إنشاء منحة دراسية تحمل اسم جدتها، تُخصص لطلاب المحاسبة والقانون ممن يحتاجون إلى دعم، تكريمًا لامرأة علمتها أن الأمانة لا تقل قيمة عن المال.
وفي يوم افتتاح المنحة، وقفت نورهان أمام الحضور وقالت
جدتي لم تتركني أغنى من غيري، لكنها تركت لي شيئين أهم من أي ميراث ضميرًا لا يساوم، ودليلًا على أن الحقيقة تحتاج إلى من يحافظ عليها.
صفق الجميع.
ورفعت نورهان نظرها إلى صورة جدتها المعلقة في القاعة.
ابتسمت بهدوء، وهمست
نفذت وصيتك... وحقك رجع.
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد أحد في العائلة يستهين بمن اختار خدمة جدته في مرضها، لأن الجميع أدرك أن الوفاء لا يضمن ميراثًا، لكنه يصنع إنسانًا لا يخسر نفسه، وأن الحقوق تُثبت بالأوراق والقانون، لا بالصوت العالي أو الادعاءات.