رواية كامله
بل داخل قاعة المحكمة، حيث ستُفتح كل الملفات لأول مرة أمام الجميع في أقل من ساعة، كان الجميع داخل قاعة صغيرة ملحقة بالمحكمة، مخصصة للقضايا التي تحتاج إلى خبراء ومستندات طبية.
القاضي دخل، وجلس في مكانه.
وقال بهدوء
إحنا هنا مش علشان نرجع الماضي... إحنا هنا علشان نعرف الحقيقة.
وُضعت كل المستندات على الطاولة.
الملف الأزرق.
الظرف القديم.
سجل الأرشيف.
وسجل المعمل.
القاضي بدأ يراجع الأوراق واحدة تلو الأخرى، من غير ما يتكلم.
كل دقيقة كانت أصعب من اللي قبلها.
وأخيرًا...
رفع رأسه.
وقال للخبير
في سؤال واحد.
اتفضل يا فندم.
لو التقرير النهائي وصل في موعده... هل كانت هتتغير النتيجة الطبية؟
الخبير فكر للحظات، ثم قال
كانت هتتغير طريقة فهم النتيجة بالكامل.
كريم اتنفس بسرعة.
يعني...
قاطعه الخبير.
لكن ده لا يغير حقيقة إن التقرير الأول كان غير صالح لاتخاذ قرار نهائي.
القاضي سجل الملاحظة.
ثم نظر إلى كريمة.
هل حد منعك من مراجعة التقرير بعد الطلاق؟
هزت رأسها.
لا يا فندم... أنا كنت فاكرة إن كل حاجة انتهت.
ثم نظر إلى كريم.
وأنت؟
خفض كريم عينيه.
أنا كمان افتكرت إن كل حاجة انتهت.
القاضي أغلق الملف.
وقال
وده أكبر درس في القضية دي.
كل الموجودين انتبهوا لكلامه.
أحيانًا المشكلة مش في الورقة اللي ضاعت... المشكلة إن الناس بتقفل الأبواب قبل ما تتأكد إنها سمعت الحقيقة كاملة.
ساد الصمت.
وفي اللحظة دي...
استأذن أحد موظفي المحكمة في الدخول.
كان ماسك مظروفًا أبيض مختومًا.
قال
يا فندم... ده وصل من المعمل المركزي من نص ساعة.
الخبير استغرب.
المعمل المركزي؟
فتح القاضي المظروف بنفسه.
قرأ الورقة.
ثم اتسعت عيناه.
رفع نظره إلى الخبير وقال
واضح إن في معلومة جديدة ما كانتش موجودة في أي ملف من اللي قدامنا.
كريمة شعرت أن قلبها بدأ يدق بسرعة.
أما كريم...
فأدرك أن كل ما عرفه حتى الآن قد لا يكون إلا نصف الحقيقة.
وتوقفت الجلسة مؤقتًا... إلى أن تُقرأ الورقة الجديدة أمام الجميع القاضي قلب الورقة مرة تانية، ثم وضعها على المكتب من غير ما يقرأها بصوت عالٍ.
المستشار سأله
في حاجة جديدة يا فندم؟
رد القاضي بهدوء
أيوه... لكن لازم الأول أتأكد إنها
مرتبطة بنفس القضية.
الخبير أخذ الورقة، وبدأ يراجعها سطرًا سطرًا.
وفجأة قال
دي مش نتيجة تحليل...
كل الموجودين بصوا له.
أمال إيه؟
أجاب
دي مذكرة داخلية من المعمل المركزي، اتبعت للمستشفى قبل سنة، وبتطلب إعادة مراجعة جميع الملفات اللي خرجت في أسبوع معين بسبب عطل فني في أحد أجهزة التحليل.
ساد صمت ثقيل.
كريمة همست
الأسبوع اللي قبل طلاقي...
هز الخبير رأسه.
هو نفسه.
كريم سند إيده على الكرسي.
يعني المشكلة ما كانتش في ملفنا بس؟
لا... كان فيه أكتر من ملف اتراجع احترازيًا.
القاضي أغلق المذكرة وقال
وده يفسر ليه كان فيه تقرير مبدئي وتقرير نهائي.
في اللحظة دي، تنفست سمر لأول مرة براحة، وقالت
الحمد لله... كنت فاكرة إن حد تعمد يخبي الحقيقة.
رد الخبير
حتى الآن... كل اللي قدامنا يشير إلى أخطاء إدارية وفنية، مش إلى تعمد.
كريمة بصت لسمر، ثم قالت بهدوء
وده يخلينا كلنا نتعلم إن الشك ساعات بيبني قصص ملهاش وجود.
كريم ظل ساكتًا.
ثم قال بصوت منخفض
أنا ظلمتك بكلام كتير.
كريمة لم ترد.
واكتفت بالنظر أمامها.
القاضي جمع كل الأوراق في ملف واحد، ثم قال
الحقيقة الطبية بقت واضحة... لكن قرار كل واحد في حياته، ده شيء تاني.
خرج الجميع من القاعة في صمت.
وأثناء نزولهم درجات المحكمة...
وقف رجل مسن كان يتابع الجلسة من بعيد.
ابتسم لكريمة وقال
أنا كنت زميل والدك الله يرحمه.
استغربت.
حضرتك تعرف بابا؟
ناولها ظرفًا صغيرًا.
وقال
أبوك سلمني الظرف ده من سنين، وقال لي لو في يوم بنتي احتارت بين الحقيقة والۏجع... سلمها الرسالة دي.
أخذت كريمة الظرف بيد مرتجفة.
نظرت إلى اسم والدها المكتوب بخطه..
ولم تفتحه...
لأنها شعرت أن ما بداخله قد يغيّر مستقبلها، لا ماضيها فقط وقفت كريمة على سلالم المحكمة، والظرف بين إيديها.
فضلت تبص لخط والدها لدقائق.
كان نفس الخط اللي كانت تشوفه كل يوم على المذكرات اللي كان بيسيبها لها وهي صغيرة.
ابتسمت بحزن.
ثم فتحت الظرف ببطء.
كان فيه ورقة واحدة، ورسالة قصيرة.
بدأت تقرأ في صمت.
يا كريمة... لو الرسالة دي وصلت لك، يبقى أكيد مريتي بيوم صعب. افتكري دايمًا إن الحقيقة مهمة... لكن الأخلاق أهم. ومهما اكتشفتي، أوعي تخلي الڠضب يخليكِ تعاقبي حد أكتر من غلطه. الإنسان بيتحاسب على أفعاله... مش على أخطاء الزمن.
نزلت دمعة من عينها.
وطوت الرسالة من جديد.
كريم كان واقف على بعد خطوات، ولأول مرة من بداية اليوم، اقترب من غير غرور.
قال بصوت منخفض
ممكن أتكلم معاكي دقيقة؟
بصت له.
اتفضل.
تنهد طويلًا.
أنا عارف إن الاعتذار مش هيمحي اللي حصل.
سكت لحظة.
بس أنا فعلًا ندمان على الطريقة اللي اتكلمت بيها معاكي... وعلى إني استخدمت وجعك ضدك.
كريمة لم تقاطعه.
أكمل
أنا كنت فاكر إني كسبت... ولما عرفت الحقيقة، اكتشفت إننا كلنا خسرنا.
ساد صمت قصير.
ثم قالت كريمة بهدوء
الندم مهم... بس الأهم إن الإنسان يتعلم.
هز رأسه.
أنا اتعلمت.
وفي تلك اللحظة...
اقتربت سمر وهي حاملة طفلها.
كانت مترددة.
قالت
يا كريمة... أنا عارفة إن مفيش كلام هيغير الماضي.
تنهدت.
لكن أتمنى في يوم تسامحيني.
كريمة نظرت إلى الطفل، ثم ابتسمت له.
مد الطفل يده الصغيرة نحوها.
أمسكتها برفق.
ثم قالت لسمر
أنا مش شايلة جوايا كره لحد... لكن كل واحد فينا هيعيش بنتيجة اختياراته.
سمر أطرقت رأسها في صمت.
وفي نفس اللحظة...
رن هاتف كريمة.
كان من إدارة المستشفى.
ردت.
ابتسمت لأول مرة ابتسامة حقيقية.
قالت
شكرًا... أنا جاية حالًا.
أغلقت الهاتف.
سألها المستشار
خير؟
قالت
فيه طفل محتاج عملية عاجلة... ومفيش غيري متاح دلوقتي.
خلعت جاكتها الرسمي، وعدلت بالطو الطبيب، واتجهت نحو سيارتها.
وقبل أن تركب، التفتت إلى الجميع وقالت
في ناس بتقضي عمرها كله تدور على الماضي... وأنا اخترت أكمل وأنقذ مستقبل حد تاني.
ثم انطلقت إلى المستشفى.
أما كريم، فظل واقفًا ينظر إليها وهي تبتعد.
وأدرك أن أقوى انتصار حققته كريمة...
لم يكن في المحكمة، ولا في الملفات، ولا في أي تقرير.
بل في أنها خرجت من كل ما حدث، محتفظة باحترامها لنفسها، وبقدرتها على أن تبدأ صفحة جديدة. النهاية.