رواية كامله

موقع أيام نيوز

كان مكتوب اسمه
معمل الوراثة المركزي.
ردت بسرعة.
فضلت تسمع من غير ما تتكلم.
وبعدين قالت جملة واحدة خلت سمر تسند نفسها على الحيطة
يعني... لقيتوا العينة الأصلية؟
... وساد صمت ثقيل في الممر.
أما كريم، فبدأ لأول مرة يسأل نفسه
إذا كانت العينة الأصلية ظهرت الآن... فما هي الحقيقة التي ظل الجميع يبني حياته عليها طوال سنة كاملة؟موظفة المعمل كانت بتتكلم من الطرف التاني، وكريمة كانت مركزة في كل كلمة.
تمام... احتفظوا بيها زي ما هي. محدش يلمسها لحد ما أوصل.
قفلت المكالمة، وحطت الموبايل في جيب البالطو.
كريم قرب منها خطوة.
وقال بنبرة امتزج فيها الڠضب بالخۏف
أنا مش هسيب المكان غير لما أفهم.
كريمة بصتله بهدوء.
وهتفهم... لكن بالطريقة الصح.
في اللحظة دي، خرج مدير المعمل بنفسه من المصعد، وكان شايل صندوقًا صغيرًا محكم الغلق عليه شريط أحمر، ومكتوب عليه
عينات محفوظة لا تُفتح إلا بمحضر رسمي.
أول ما شافته كريمة، قالت
هو ده؟
هز رأسه.
أيوه... لقيناه في مخزن الأجهزة القديمة أثناء الجرد السنوي.
المستشار القانوني اتقدم وقال
يبقى لازم نثبت استلامه.
بدأ يكتب محضرًا سريعًا، بينما كريم واقف بيبص للصندوق وكأنه هيلاقي الإجابة مكتوبة عليه.
سأل بعصبية
الصندوق ده فيه إيه؟
مدير المعمل رد
عينات التحاليل اللي اتعملت قبل سنة.
تحليل مين؟
ابتسم المدير ابتسامة خفيفة وقال
كل حاجة موجودة في الأوراق... وأنا ممنوع أقول أكتر من كده.
سمر كانت بتحاول تهدي الطفل، لكنه فجأة بدأ يعيط بصوت عالي.
حملته بسرعة، لكن الطفل مد إيده ناحية كريمة.
الغريب...
إنه أول ما كريمة قربت، سكت تمامًا.
ابتسم لها، ومسك طرف البالطو الأبيض بإيده الصغيرة.
كل اللي في الممر لاحظوا الموقف.
حتى كريم.
قال باستغراب
أول مرة يسكت مع حد غريب.
سمر بلعت ريقها.
هو... هو بيحب أي دكتور.
لكن كلامها طلع متردد.
كريمة ابتسمت للطفل بحنان، ورجعت خطوة لورا.
وقالت
الأطفال مابيكدبوش... لكن الكبار ساعات بيعملوا كده من غير ما يحسوا.
الجملة وقعت على كريم زي الحجر.
وقبل ما يرد...
وصل فرد أمن المستشفى ومعاه موظفة من قسم السجلات.
قالت وهي ماسكة دفتر قديم
معذرة... أثناء مراجعة الملفات لقينا إن في صفحة كانت متدبسة بالغلط في ملف تاني.
فتحت الدفتر.
وسحبت ورقة صفراء عليها ختم المستشفى.
بصت للاسم المكتوب فوق...
واتجمدت.
رفعت عينيها ناحية كريمة وقالت
الورقة دي باسم حضرتك... وتاريخها قبل يوم واحد من جلسة الطلاق.
كريمة أخدتها بإيد مرتعشة.
قرأت أول سطر...
ثم أغمضت عينيها لثوانٍ.
لما فتحتهما من جديد، كان في نظرة مختلفة تمامًا.
نظرة شخص بدأ يربط كل الأحداث ببعضها.
أما كريم...
فلمح في آخر الورقة توقيع طبيب يعرفه جيدًا.
طبيب كان هو بنفسه أصر يروحله قبل الطلاق بأيام.
وهنا... اختفت الثقة من ملامحه لأول مرة.
لأنه أدرك أن السر الذي ظل مخفيًا سنة كاملة... قد لا يغيّر الماضي فقط، بل قد يقلب كل ما كان يعتقد أنه الحقيقة كريم مد إيده ناحية الورقة بسرعة.
وريني.
لكن كريمة ضمّت الورقة للملف، وقالت بهدوء
دي نسخة من حقي... وهتتشاف في الوقت المناسب.
صړخ بانفعال
إنتِ بتعذبيني!
المستشار القانوني تدخّل فورًا.
أستاذ كريم... اهدأ. أي محاولة لأخذ المستندات بالقوة هتتسجل.
رجع كريم خطوة، لكنه كان بيبص للورقة كأنها آخر أمل يعرف منه الحقيقة.
في اللحظة دي، خرج الطبيب الكبير المسؤول عن المعمل من مكتبه.
كان راجل
في أوائل الستينات، وملامحه فيها وقار.
أول ما شاف كريمة قال
أنا آسف.
استغرب الجميع.
قالت كريمة
بتعتذر على إيه يا دكتور؟
تنهد وقال
لأن الغلطة الإدارية اللي حصلت وقتها كان ممكن تمنع ناس كتير من تعيش سنة كاملة في أوهام.
الممر كله سكت.
حتى الطفل بطل يصدر أي صوت.
كريم قرب وقال
يعني إيه أوهام؟
الطبيب بصله وقال
مش من حقي أشرح التفاصيل قبل ما تكتمل الإجراءات.
رد كريم بعصبية
كل الناس بتقول نفس الجملة!
ابتسم الطبيب بأسف.
لأن الحقيقة لما تكون ناقصة... بتبقى أخطر من الكذب.
سمر كانت واقفة ودموعها بتنزل في صمت.
كريمة لاحظت ده.
قربت منها وقالت بهدوء
إنتِ كنتِ عارفة إن فيه حاجة غلط... صح؟
سمر هزت راسها بالنفي.
لكن بعد ثانيتين...
هزتها بالموافقة.
قالت بصوت مكسور
كنت حاسة... مش متأكدة.
حاسة بإيه؟
سمر بصت للأرض.
إن فيه ورقة كانت ناقصة... وإن كل واحد فينا بنى حياته على جزء من الحقيقة.
كريم لف ناحيتها پصدمة.
وماقولتيش ليه؟
ردت وهي پتبكي
لأني كنت فاكرة إن فتح الموضوع هيهد بيوت أكتر.
سكت الجميع.
وفجأة...
دخل شاب صغير لابس بدلة موظفي الأرشيف، وهو بيجري.
دكتور... لقينا الحاجة اللي كنا بندور عليها.
كل الأنظار اتجهت ناحيته.
كان ماسك فلاشة إلكترونية قديمة، ومحطوطة في كيس حفظ الأدلة.
قال وهو بيلهث
دي كانت جوه درج مكتب اتشال من سنة... وعليها نسخة إلكترونية من كل التقارير اللي اتعملت في الأسبوع اللي سبق الطلاق.
مدير المعمل أخذ الفلاشة بحذر.
وبص للمستشار.
ثم قال
لو الملفات عليها النسخ الأصلية... يبقى هنقدر نعرف بالثانية مين استلم كل تقرير... وإمتى... وهل التقرير اتسلّم فعلًا ولا لأ.
كريم شعر ببرودة تسري في جسمه.
لأنه لأول مرة...
ظهر دليل لا يعتمد على كلام أي شخص.
دليل يمكنه أن يكشف كل ما حدث قبل سنة، دقيقة بدقيقة.
لكن قبل أن يضع مدير المعمل الفلاشة في جهاز الكمبيوتر...
انطفأت أنوار الدور كله فجأة.
وسُمِع صوت جهاز الإنذار يدوي في أرجاء المستشفى...
وفي الظلام، سُمِع صوت شخص يقول
أوعوا... الفلاشة!الأنوار انطفت لثوانٍ، والممر كله غرق في ظلام مفاجئ.
الممرضات بدأوا يطمنوا الأطفال، وصوت جهاز الطوارئ كان مالي المكان.
كريمة ثبتت مكانها، بينما المستشار ضم الحقيبة والصندوق بإيده.
وفجأة...
اشتغلت الإضاءة الاحتياطية.
نور أصفر خاڤت غطّى الممر.
أول حاجة بصوا عليها كانت الفلاشة.
لسه في إيد مدير المعمل.
تنفس الجميع الصعداء.
قال مدير المعمل وهو بيبص حواليه
واضح إن انقطاع الكهرباء كان بسبب اختبار دوري للطوارئ.
لكن كريم كان مركز على حاجة تانية.
سمر.
كانت واقفة بعيد عن المكان اللي كانت فيه من ثواني.
قال لها
إنتِ روحتي فين؟
ردت بسرعة
كنت بهدي ابني.
لكن كريمة لاحظت إن سمر كانت ماسكة في جيب جاكتها بقوة، كأنها خاېفة حاجة تقع منه.
المستشار قال
خلينا نخلص.
دخلوا كلهم غرفة الاجتماعات الصغيرة الموجودة آخر الممر.
الغرفة كان فيها شاشة كبيرة، وجهاز كمبيوتر قديم.
مدير المعمل وصل الفلاشة بالجهاز.
ظهرت ملفات كتير، كلها بتاريخ واحد...
قبل الطلاق بأيام.
بدأ يفتح أول ملف.
تقارير معمل.
تاني ملف.
سجلات استلام.
تالت ملف.
كشف بأسماء الأشخاص اللي استلموا النتائج من قسم التحاليل.
وفجأة...
وقف المؤشر.
قدام اسم واحد.
مدير المعمل قطب حاجبيه.
غريبة...
كريم استعجل.
في إيه؟
رد المدير
السجل بيقول إن التقرير اتسلّم... لكن مش للدكتورة كريمة.
سمر شهقت.
أما كريمة ففضلت ساكتة.
كريم قال بسرعة
أمال لمين؟
المدير ضغط على السطر.
لكن قبل ما الاسم يظهر...
طلعت رسالة على الشاشة
الملف مشفّر. يلزم كلمة مرور.
المستشار استغرب.
إحنا عمرنا ما كنا بنشفر الملفات.
مدير المعمل هز رأسه.
وده اللي مخليني مستغرب.
في اللحظة دي...
دخل موظف تكنولوجيا المعلومات بالمستشفى.
بص للشاشة وقال
الملف ده اتقفل بكلمة مرور من سنة بالضبط.
تقدر تفتحه؟
أقدر... لكن هيحتاج شوية وقت.
كريم فقد صبره.
يعني بعد كل ده هنستنى؟!
رد الموظف
لو استعجلنا، ممكن الملف كله يضيع.
كريمة أخدت نفسًا عميقًا.
وقالت
هنستنى.
وبينما الجميع ساكت...
وصل إشعار على جهاز الكمبيوتر.
تم استعادة تلميح كلمة المرور.
ضغط الموظف عليه.
ظهر سطر واحد فقط
اسم الشخص الذي استلم التقرير لأول مرة.
ساد صمت ثقيل داخل الغرفة...
لأن الجميع أدرك أن كلمة المرور نفسها مرتبطة بالشخص الذي اختفت عنده الحقيقة طوال عام كامل.
ولأول مرة...
بدأت الشكوك تتجه إلى شخص لم يفكر فيه أحد من قبل موظف تكنولوجيا المعلومات حك ذقنه وهو بيبص للشاشة.
قال
التلميح واضح... لكن من غير الاسم نفسه، مستحيل نخمن كلمة المرور.
كريم ضړب بإيده على المكتب.
افتحوه بأي طريقة!
رد الموظف بهدوء
لازم يبقى فيه أمر رسمي، أو نستنى برنامج الاستعادة يخلص.
ظهر على الشاشة شريط تحميل...
3
الصمت كان خانق.
كل دقيقة كانت أطول من اللي قبلها.
وفجأة...
المستشار القانوني افتكر حاجة.
فتح الملف الأصفر،
تم نسخ الرابط