رواية جديدة

موقع أيام نيوز


اللجنة... مش بسبب اللي عملتيه في الشارع، لكن لأنك أثبتِّ كفاءة حقيقية.
ثم مد لي عقد العمل.
كان الراتب أكبر مما حلمت به يومًا، مع تأمين طبي، ومكافآت، ومنحة تعليمية لأخي الصغير.
لم أتمالك دموعي.
بعد أسبوعين، بدأت عملي.
وفي أول يوم، فوجئت بأن الجد محمود يزور الشركة.
طلب يقابلني.
دخلت عليه.
ناولني ظرفًا صغيرًا.
فتحته، فوجدت داخله خمسين جنيهًا جديدة.
استغربت.
ابتسم وقال
دي فلوسك.
ضحكت وقلت
مش محتاجاها.
قال وهو يبتسم
أنا محتاج أرجع الأمانة لصاحبها.
ثم أخرج كيسًا صغيرًا فيه برتقالتان.
وقال ضاحكًا
ودول كمان... البرتقالتين اللي اضطرّيتي تسيبيهم.
ضحكت لأول مرة من قلبي.
بعدها بشهر، أصدر كريم قرارًا بتأسيس صندوق داخل الشركة لدعم الموظفين وأسرهم وقت الأزمات، مع تخصيص جزء من أرباح الشركة لمساعدة كبار السن المحتاجين، وقال في الاجتماع السنوي
النجاح الحقيقي مش في حجم الشركة... النجاح في طريقة تعاملنا مع الناس.
أما بائع الفاكهة، فلم يُغلق أحد رزقه، لكن الحي كله عرف ما فعله بعدما انتشر مقطع صوره أحد المارة. اعتذر للعجوز أمام الجميع، وأعاد الأموال التي حصل عليها بغير حق، وتغير أسلوبه مع الزبائن بعدما أدرك أن القسۏة قد تكسب جنيهًا، لكنها قد تخسر احترام الناس.
وبمرور الشهور، استطعت أن أسدد كل الديون، واستأجرت شقة صغيرة مضيئة بدل البدروم الذي عشنا فيه سنوات، ونقلت أخي إليها.
وفي أول ليلة داخل البيت الجديد، جلس أخي يبص من الشباك ويبتسم.
قال
فاكرة لما كنا بنحلم بأوضة فيها شمس؟
ابتسمت وأنا أنظر إلى ضوء الصباح الذي ملأ المكان.
قلت
أيوه... والحلم بدأ بخمسين جنيه.
وفي احتفال مرور عام على انضمامي للشركة، وقف الجد محمود أمام الموظفين وقال
ناس كتير فاكرة إن الإنسان بيتعرف من منصبه أو فلوسه... لكن الحقيقة إن الإنسان بيتعرف وهو واقف قدام حد ضعيف، ومحدش شايفه. البنت دي ما ساعدتنيش لأنها عرفت أنا مين... ساعدتني لأنها عرفت هي مين.
صفق الجميع طويلًا.
ونظرت إلى أخي، الذي كان يجلس بين الحضور بعد أن حصل على منحة دراسية تكفلت بها الشركة.
وقتها فقط فهمت أن الخير لا يضيع، وأن المعروف قد يتأخر أثره، لكنه يعود لصاحبه في الوقت الذي يكون في أمسّ الحاجة إليه.
ومنذ ذلك اليوم، احتفظت بالخمسين جنيهًا داخل إطار صغير في مكتبي، لا لأتذكر المال الذي أنفقته، بل لأتذكر أن قرارًا واحدًا اتخذته بدافع الرحمة كان بداية حياة جديدة، وأن أغلى الفرص قد تأتي متنكرة في صورة موقف عابر لا يتوقعه أحد.

 

تم نسخ الرابط