رواية كامله
فجأة، وقبّل يد أبيه وهو يبكي.
وقال
أنا مش جاي أطلب الفيلا... ولا الشركة... ولا أي فلوس.
وسكت لحظة.
ثم أكمل
أنا جاي أطلب أبويا.
ظل الحاج جلال ينظر إليه طويلًا.
تذكر يوم ولادته.
وتذكر أول مرة حمله.
وتذكر أول يوم مدرسة.
وتذكر الليلة التي سقط فيها على الأرض أمام الناس.
كانت الذكرى تؤلمه.
لكنه كان يرى أمامه ابنًا محطمًا، لا ذلك الرجل المتكبر.
قال بهدوء
أنا سامحتك بيني وبين ربنا... لكن الثقة اللي اتكسرت مش هترجع بسهولة.
هز طارق رأسه.
وقال
عارف... ومستعد أستنى العمر كله.
مرت الشهور.
بدأ طارق من الصفر.
استأجر شقة متواضعة.
وركب سيارة مستعملة.
واشتغل مهندسًا في شركة عادية، دون أن يخبر أحدًا باسم عائلته.
كان يخرج صباحًا ويعود مساءً، لأول مرة يشعر بمعنى أن يكسب رزقه بعرق جبينه.
أما شيرين، فلم تتحمل الحياة الجديدة.
كانت تحب المظاهر أكثر من الإنسان.
طلبت الطلاق بعد أشهر قليلة، وغادرت، لتبحث عن حياة أكثر رفاهية.
نظر إليها طارق وهي ترحل، ولم يحاول منعها.
لأنه أدرك أن من يبني علاقته على المال... يرحل مع أول خسارة.
بعد عام كامل.
كان عيد ميلاد طارق الحادي والثلاثون.
لم تكن هناك فيلا.
ولا موسيقى.
ولا مئات الضيوف.
فقط شقة صغيرة.
وترابيزة عليها تورتة بسيطة.
رن الجرس.
فتح الباب.
فوجد والده يقف مبتسمًا، يحمل علبة قديمة.
فتحها.
وجد الساعة نفسها... ساعة جده.
قال الحاج جلال
المرة اللي فاتت رجعتها معايا... لأنك وقتها ماكنتش تستحقها.
ثم وضعها في يد ابنه.
وأكمل
أما النهارده... فأنت كسبتها.
لم يتمالك طارق نفسه.
احتضن والده وهو يبكي كما لم يبكِ من قبل.
ابتسم الحاج جلال وربت على كتفه وقال
الفلوس بتتبني من جديد... لكن الأخلاق لو ضاعت، الإنسان هو اللي بيضيع.
جلسا يأكلان قطعة من التورتة في هدوء.
لم يكن ذلك أغلى عيد ميلاد في حياة طارق...
لكنه كان أول عيد ميلاد يشعر فيه أنه أصبح رجلًا بحق.
وهكذا انتهت الحكاية.
فقد خسر طارق القصور والسيارات، لكنه تعلم أن أعظم ثروة يمكن أن يمتلكها الإنسان هي احترام والديه، وأن البيت لا يصنعه الرخام، بل يصنعه الأب الذي يتعب في صمت، والأم التي تدعو من قلبها.
ومن ينسى فضل والديه، قد يملك الدنيا كلها يومًا... لكنه سيكتشف متأخرًا أن أغلى ما خسره لم يكن المال، بل البر.