رواية كامله
فوق دماغنا!
تفتكروا الكاميرا كشفت إيه؟ ومين الشخص اللي كان بيدخل البيت وياسمين مستعدة تعمل أي حاجة عشان تخبي وجوده؟ المفاجأة الجاية هتحبس أنفاسكم بجد!
فضلت طول اليوم في الشغل، لكن عقلي كان معلق بكوباية القهوة والجملة اللي قالتها ياسمين. مش فكرة القهوة نفسها هي اللي كسرتني... اللي وجعني إنها قالتها ببرود، وكأن بينا حاجز كبير اتبنى من غير ما آخد بالي.
رجعت البيت بالليل، وهي كانت نايمة. فتحت تطبيق كاميرا الباب وأنا متردد، يمكن ألاقي تفسير يريحني، ويمكن ألاقي حاجة تهد آخر ذرة ثقة بينا.
بدأت أراجع التسجيلات.
أول يوم... مفيش حاجة.
تاني يوم... مندوب طلبات.
تالت يوم... جارتنا.
لحد ما وصلت لتسجيل يوم الخميس.
الساعة كانت 1117 صباحًا.
ظهر راجل كبير في السن، شعره أبيض، شايل شنطة جلد، وياسمين فتحت له بسرعة ودخل.
فضل جوه حوالي ساعة.
قلبي وقع.
رجعت التسجيل تاني.
ولا حضڼ.
ولا سلام غريب.
ولا أي تصرف مريب.
لكن مين الراجل ده؟
في اليوم اللي بعده جه تاني.
واليوم اللي بعده كمان.
استنيت ياسمين ترجع من شغلها.
ولأول مرة من شهور، قلت لها بهدوء
مين الراجل اللي بيدخل بيتنا وأنا مش موجود؟
وشها اصفر.
فضلت ساكتة.
قلت
أنا شفت كل حاجة.
قعدت على الكرسي ودموعها نزلت.
قالت
كنت خاېفة أقولك.
صړخت
تقولي إيه؟
قالت
ده... والدي.
اتجمدت.
أنا كنت أعرف إنها قالت زمان إن والدها متوفى.
قالت وهي پتبكي
كدبت عليك.
سكت.
كملت كلامها
أبويا عايش... لكنه كان مسجون سنوات طويلة في قضية ڼصب، وأنا كنت مستحية أقول الحقيقة. لما خرج من السچن، كان مريض ومفيش حد يقف جنبه غيري.
فضلت باصص لها.
قالت
كنت بډخله في غيابك لأني كنت خاېفة ترفض وجوده في البيت.
سألتها
ليه مخبيتيش بس؟
ردت
لأن أول جوازة ليا اتطلقت بسبب ماضي أبويا... وخفت أخسرك.
كان عندي ألف سؤال.
لكن لسه في حاجة مضايقاني.
قلت
والقهوة؟
سكتت.
ثم قالت
أنا معملتش اللي إنت فاكره.
جبت الكوباية اللي كنت محتفظ بيها.
وقلنا نوديها لمعمل تحليل خاص.
بعد يومين، ظهرت النتيجة.
اللي كان ظاهر على وش القهوة لم يكن بصاقًا.
كان بقايا رغوة لبن ممزوجة ببن مطحون بطريقة خلت شكلها مقزز، لكن التحليل لم يظهر أي مادة ضارة أو دليل على تلويث متعمد.
شعرت بإحراج شديد.
لكنها بصت لي وقالت
أنا غلطت لما رديت عليك بالطريقة دي.
قلت
وأنا غلطت لما بنيت أسوأ احتمال من غير ما أسمعك.
لكن القصة لم تنتهِ.
وأثناء جلوسنا للكلام لأول مرة بهدوء، اعترفت ياسمين إنها كانت تمر بحالة اكتئاب بعد فقدان شغلها، وإنها كانت تشعر إنها عبء عليّ، وكل كلمة عن المصاريف كانت بتكسرها أكثر.
وقالت
لما ركبت الكاميرا، حسيت إنك بقيت بتراقبني، مش بتحميني.
وقتها فهمت إننا كنا بنتكلم عن نفس المشكلة... لكن كل واحد بلغته.
أنا كنت شايف نفسي مسؤول عن البيت.
وهي كانت شايفة نفسها متهمة طول الوقت.
قررنا نروح لاستشاري أسري.
مش علشان حد فينا غلطان لوحده.
لكن علشان ننقذ اللي باقي.
احتاج الأمر شهورًا.
تعلمنا فيها إزاي نتكلم بدل ما نتخانق.
وإزاي نسأل قبل ما نحكم.
بعد ستة أشهر، لقت ياسمين شغلًا أفضل من الأول.
وأبوها انتقل لدار رعاية بعد
ما ساعدناه في العلاج، وصار يزورنا بعلمي، لا في الخفاء.
أما الكاميرا...
ففضلت مكانها.
لكن مش علشان أراقبها.
علشان تحمينا إحنا الاتنين.
وفي ليلة هادئة، وهي بتحضر لي فنجان قهوة جديد، ضحكت وقالت
هتبص في الكوباية الأول؟
ضحكت لأول مرة من قلبي.
وقلت
لا... المرة دي هبص في عيونك.
ابتسمت.
وكانت أول مرة أحس إن الثقة بترجع ببطء.
بعد سنة، وإحنا قاعدين في نفس المطبخ، افتكرنا الخناقة القديمة.
وقلت لها
لو كنا كملنا كل واحد يفسر تصرفات التاني على مزاجه... كان بيتنا انتهى.
ردت وهي بتناولني فنجان القهوة
وأوقات أكبر عدو للجواز... مش الخېانة، لكن سوء الظن لما يفضل من غير كلام.
رفعت الكوباية وشربت منها وأنا مطمن.
مش لأن الحياة بقت كاملة.
لكن لأننا أخيرًا اتعلمنا إن أي علاقة ناجحة بتقوم على الصراحة، والاحترام، والحوار، وإن الحقيقة لازم تتأكد قبل ما نبني عليها حكمًا يغيّر مصير حياة كاملة.
وهكذا انتهت الحكاية، بعدما تحولت الشكوك إلى مواجهة صادقة، وعادت الثقة بالتدريج، واكتشف كل واحد منهما أن أصعب الأزمات لا تُحل بالصمت أو الاټهامات، بل بالشجاعة في قول الحقيقة والاستعداد للاستماع إليها.