رواية جديدة
على ما صوت سراين الإسعاف وصل لكورنيش الإسكندرية، كانت البنت اللي في المية خلاص م ب بَقاش لها صوت، والموج سحب آخر صړخة من حلقها! هناء سمعت صوت الجلبطة والرزعة في المية قبل ما تشوف الجسم وهو ب يسقط في الغريق، الساعة كانت 317 الفجر، في وقت السكوت فيه ب يرعب، والكورنيش ضلمة وكحل ومفيش غير نوارس وصوت البحر ب يلطم تحت الرصيف كأنه وحش مستني فريسته! هناء كانت مروحة من المخبز البلدي اللي ب تشتغل فيه ليل نهار، والدقيق لسه معلم على كمام عبايتها، وفي جيبها 32 جنيه بقية يوميتها وشقاها، بنت عندها 29 سنة، جسمها مليان شوية ووشها مدور وبسيط، من البنات الغلبانة اللي محدش ب يلتفت ليها ولا ب يعمل لها حساب، والكل ب يقول لها يا شاطرة لما يعوزوا زيادة في العيش وينسوا اسمها قبل ما يخرجوا من الباب! ليلتها م كانتش عاوزه غير الستر وتوصل شقتها الضيقة قبل ما المطر يقلب ب سيول، لحد ما البحر بلع البنت في ثانية، خيال ا خطڤ من فوق السور، وفردة فستان أبيض لمعت وسط الضباب، وبعدها غطس رهيب في المية، وإيدين ب تخبش في الهوا ب قهر! هناء اتسمرت في مكانها، وعقلها ب ېصرخ إنها م ب تعومش كويس، ومية طوبة في عز الشتا ټقتل بلد، ومحدش ح يعرف لو جرى لها حاجة، بس في ثانية افتكرت أمها وهي ب ټموت على سرير مستشفى وب تطلب دوا هناء م ملكتش تمنه، وماټت وإيد هناء فاضية وقلبها عاجز، وقالت ب غل لأ.. م مش ح تكرر ثاني!، رمت شنطتها وقلعت شبشبها، وقبل ما الخۏف يمسكها، نطت من فوق السور ورمت نفسها في جوف البحر الضلمة! السقعة نزلت على جسمها زي السكاكين وكتمت نفسها، وعضلاتها اتشنجت وبقت ب تصرخ عشان ترجع، بس عافرت وقطعت المية ب دراعاتها وعينها ب تأكلها من الملح والمطر، لحد ما البنت طلعت ل الوش وهي ب تشرق وشعرها كاتم نفسها، وزعقت هناء امسكي فيا!، البنت كلبشت فيها ب غل وضوافرها غرزت في عباية هناء، وفي ثانية غطسوا هما الاثنين تحت، والپنك ركب هناء وصوت ضربات قلبها ب بَق زي الطبل في ودنها، وحاجة جرحت ركبتها، ونفسها ب بَق ب ېموت، لحد ما إيدها طالت القماش وبعدها رقبة البنت وشدتها ل السلم الحديد ب ال عافية، والبنت عيونها نص مفتوحة وهمست ب رعشة م تخليهوش...، وا رمت حتة حبلة بين إيديها! هناء مكانتش تعرف مين هو ده، ومكنتش تعرف إن البنت دي تبقى نور، الأخت الصغيرة ل سليم الأنصاري، أكبر وأتقل راجل في سوق الموانئ والتجارة والحراسات، واللي ب يحرك نص البلد ب كلمة منه، ومكنتش
تعرف إن إنقاذها ل نور ح يحطها في وش مدفع بين حوت سوق أسود، ومؤامرة طبية قڈرة، وعدو مستعد يقلب البنت ل چثة ب القانون وهي لسه ب تتنفس! هناء مكنش في عقلها غير إن البنت تعيش، سحبتها على الرصيف وبقت ب تضغط على صدرها ب إيد ب تترعش وتنفخ في بوقها لحد ما البنت طرشت مية البحر، وقبل ما الإسعاف يوصل، ظهرت عربية جيب سودة وضخمة وسط الضباب، ونزل منها رجالة ب كساكي ب يجروا، هناء حاولت تنطق وتقول البنت لازم مستشفى، بس الدنيا لفت بيها، وآخر حاجة شافتها راجل ركع جنب نور، وشه مستخبي في الضلمة وصوته ب يغل من الڠضب مين شاف الكلام ده؟!.. وبعدها السواد عمى عينها! هناء صحيت تحت كشافات المستشفى البيضا، زورها مجروح وجسمها ب يتنفض تحت البطاطين، والممرضة قالت لها إنها ا لِقيت لواحدها مغمى عليها من السقعة، هناء بحت بصوت مخڼوق البنت.. البنت اللي طلعتها فين؟، الممرضة كشرت وقالت بنت مين يا بنتي؟ أنتِ جيتي لواحدك، ومفيش أي حالة ثانية دخلت المستشفى من الكورنيش!، هناء برقت ب صدمة؛ مفيش أثر؟! مفيش بنت؟! مفيش شهود؟! مفيش غيرها! ولما خرجت الصبح، موظف الحسابات قال لها إن الفاتورة ا دفعت كاش ب الكامل ومفيش اسم، هناء مشيت في الشمس والضباب والوهم ب يأكل عقلها، ولما حطت إيدها في جيب العباية، صوابعها لمست حاجة ناشفة وساقعة، طلعتها لقتها دلاية فضة منقوش عليها حرف أ، وجواها صورة صغيرة ل بنت ورجل طويل ب بدلة سودة لافف دراعه حول كتفها كأنه حيطة سد! هناء نفسها ا كتم.. البنت كانت حقيقة! وعلى الرصيف الثاني، كانت العربية الجيب السودة مستنية وموتورها داير، وا زجاجها كحل مش مبين حد، بس هناء حست ب عيون ب تأكلها، قفلت إيدها على الدلاية لحد ما الفضة علمت في لحمها، ولأول مرة في حياتها، هناء الغلبانة المستخبية من الدنيا، ب بَق فيه حد شايفها.. وحد ثقيل أوي ب يخفي الناس من الوجود ب نفوذه!
يا ترى هناء ح تعمل إيه ب السر اللي في إيدها، وإزاي سليم الأنصاري ح يوصل لها عشان يخرسها ولا ح بتبقى هي السند الوحيد ل أخته، وإيه المؤامرة المرعبة اللي ب تدور في الخفاء وح تقلب حياة البنت الغلبانة ل چحيم وضړب ڼار؟ اللي جاي مواجهة تزلزل القلوب وأسرار تدوخ!
هناء فضلت واقفة في نص الرصيف، ماسكة الدلاية بإيدها، وكل ما تبص للصورة اللي جواها، تحس إن اللي حصل بالليل ماكانش حلم.
رجعت شقتها الصغيرة، لكنها ماعرفتش تنام.
كل ما تغمض عينيها، تسمع صوت نور وهي بتهمس
ما تخليهوش...
لكن... مين هو؟
تاني يوم وهي رايحة الشغل، لقت عربية سوداء واقفة قدام المخبز.
نزل منها راجل لابس بدلة.
قرب