رواية كامله
الأهل يدخل بينه وبين زوجته أو أولاده، لأن البيت اللي يضيع احترامه من الداخل، محدش يقدر يبنيه من جديد.
رفع طارق رأسه، وكانت أول مرة أشوف عينه مليانة ندم.
بصلي وقال
أنا قصرت في حقك لما سكت عن مواقف كتير، ووعد مني إن اللي حصل مش هيتكرر.
وقبل ما أرد، قلب الراجل الصفحة الأخيرة.
لكنها كانت ممزقة.
سأل طارق باستغراب
فين باقي الصفحة؟
الراجل تنهد وقال
واضح إن حد شال الجزء الأخير منها.
في اللحظة دي، دعاء قالت لأول مرة بصوت متردد
أنا... أنا شوفت الورقة دي قبل كده.
الكل بص لها في نفس الوقت.
حماتي قامت من مكانها بسرعة وقالت
اسكتي!
لكن دعاء كملت وهي پتبكي
من سنين، وأنا صغيرة، شوفت تيتة وهي بتحط الجزء المقطوع من الصفحة في ظرف أبيض، وقالت لحماتي خليه بعيد لحد ما ييجي اليوم المناسب.
ساد صمت ثقيل.
بص الراجل ناحية حماتي وقال بهدوء
واضح إن اليوم المناسب... جه.
أما حماتي، ففضلت ساكتة، لكنها ضمت إيديها بقوة، وكأنها بتحاول تمنع نفسها من قول حاجة، بينما كانت كل الأنظار متعلقة بها، في انتظار أول كلمة هتخرج منها الراجل قلب المفتاح بين صوابعه، وبص لطارق وقال
فاكر المخزن اللي تحت السلم؟
طارق عقد حاجبيه وقال
المخزن القديم؟ ده مقفول من زمان، وأمي كانت دايمًا تقول إنه مليان حاجات مکسورة.
الراجل هز راسه وقال
يبقى جه الوقت يتفتح.
بصينا كلنا ناحية آخر الطرقة، حيث باب خشبي صغير عليه طبقة سميكة من التراب، واضح إنه محدش قرب منه من سنين.
حماتي وقفت قدام الباب بسرعة وقالت
محدش هيفتح المكان ده.
سألها طارق باستغراب
ليه يا أمي؟
ردت وهي بتحاول تخفي ارتباكها
عشان مفيهوش غير كراكيب.
الراجل ابتسم وقال
لو كراكيب، يبقى مش هتزعلي لما نفتحه.
مد إيده بالمفتاح، لكن حماتي حاولت تمنعه. لأول مرة، تدخلت خالتها وقالت بهدوء
سيبيه يفتح... خلصونا من الحكاية دي.
فضلت حماتي ساكتة، وهي باصة للأرض.
دخل المفتاح في القفل، وبعد لفه مرتين، سمعنا صوت تك خفيف، والباب اتفتح ببطء.
ريحة المكان كانت تقيلة من قلة التهوية.
دخل طارق الأول، وشغل لمبة صغيرة متعلقة في السقف.
المخزن كان مليان صناديق قديمة، ورفوف خشب، وأثاث متغطى بقماش أبيض.
وأثناء ما كنا بنتلفت، لفت انتباهي إطار صورة كبير متسند على الحيطة.
شلت القماشة من عليه، فظهر صورة عائلية قديمة.
كل الموجودين كانوا فيها... إلا شخص واحد.
بص الراجل للصورة، وتنهد وقال
كنت عارف إنها لسه هنا.
سألته
الصورة دي فيها إيه؟
قرب منها، وأشار إلى مكان فاضي في الصف الأخير، وقال
كان فيه إطار تاني بيتعلق جنبها كل سنة في التجمعات... لكن في يوم اختفى، ومن يومها بدأت الخلافات بين أفراد العيلة.
طارق لف ناحيته وقال باستغراب
اختفى إزاي؟
وقبل ما الراجل يجاوب، سمعنا صوت ارتطام جاي من آخر المخزن.
لفينا كلنا في نفس اللحظة.
كان فيه صندوق حديدي صغير وقع من فوق أحد الرفوف لوحده، وانفتح غطاه من أثر الوقعة، وظهر بداخله دفتر جلده بني، مكتوب على غلافه بخط واضح
مذكرات العائلة... لا تُقرأ إلا إذا اجتمعت الحقيقة بالشجاعة.
تبادلنا النظرات، وكل واحد فينا كان عارف إن فتح الدفتر ده هيكشف أسرار عمرها سنين... لكن محدش كان مستعد يعرفها كلها في نفس اللحظة فضلت حماتي ساكتة لدقايق، وكل اللي في الصالة مستنيين ردها.
أخيرًا رفعت رأسها وقالت بصوت هادي لأول مرة
أيوه... الجزء الأخير عندي.
شهقت خالتها وقالت
إنتِ احتفظتي بيه كل السنين دي؟
هزت رأسها بالإيجاب، وقامت ببطء ناحية أوضتها.
محدش اتحرك. حتى طارق فضل واقف مكانه، وعينه متعلقة بباب الأوضة.
بعد دقائق رجعت وهي ماسكة علبة خشب صغيرة، حطتها على الترابيزة قدام الراجل، وقالت
أنا كنت فاكرة إني بحافظ على العيلة... لكن يمكن كنت بغلط.
فتح الراجل العلبة، وأخرج
منها ظرفًا أصفر قديم، ولما فتحه، وقع منه الجزء المقطوع من الصفحة.
ركبه مكانه في الدفتر، وكأن الورقة عمرها ما اتقطعت.
بدأ يقرأ آخر السطور
إذا اختلفتم يومًا، فلا تجعلوا الكبرياء يحكم بينكم. ومن أخطأ فليعتذر، ومن ظُلِم فليُنصف، ولا تجعلوا الزوجة أو الزوج سببًا لخلافات العائلة، بل عاملوهما بالعدل والاحترام، فبهما تستقر البيوت.
ساد هدوء غريب.
حماتي نزلت دمعة من عينها وقالت
أبوك كان دايمًا يقول الكلام ده... وأنا للأسف نسيت.
طارق قرب منها، وقال
يا أمي... إحنا لسه قدامنا فرصة نصلح.
بصت ناحيتي، وبعد تردد طويل قالت
لو في يوم حسستك إنك مش من أهل البيت... فأنا آسفة.
ماكنتش متوقعة أسمع الكلمة دي.
قبل ما أتكلم، الراجل قفل الدفتر وقال
دلوقتي انتهت مهمتي.
لكن وهو بيقوم، لاحظ صورة صغيرة لسه جوه الدفتر، كانت مستخبية بين الصفحات.
طلعها بهدوء.
كانت صورة قديمة جدًا، فيها الجد واقف قدام البيت، وحواليه كل أفراد العيلة.
ولما قلب الصورة، لقينا مكتوب وراها بخط واضح
البيت ده هيبقى سبب اجتماعكم مرة تانية... لكن بعد الاجتماع، هييجي قرار هيغير حياة الجميع.
كلنا بصينا لبعض باستغراب.
طارق سأل الراجل
إيه القرار ده؟
ابتسم ابتسامة غامضة، ورد
أنا أعرف... لكن مش دوري أقوله. القرار لازم يخرج منكم أنتم.
وساعتها، بص طارق ناحيتي، وكأنه لأول مرة من وقت جوازنا، مستني رأيي قبل أي حد تاني...كل الأنظار اتجهت ناحيتي، وحسيت إن الكلمة اللي هقولها هتحدد شكل العلاقة بين كل الموجودين.
أخدت نفسًا عميقًا وقلت بهدوء
أنا لا جاية أخاصم حد، ولا جاية أكسب معركة. أنا كل اللي كنت بطلبه من أول يوم هو الاحترام.
ساد الصمت.
بصيت لحماتي وكملت
أنا عمري ما حاولت أبعد طارق عن أهله، ولا رفضت إنه يزوركم. بالعكس، كنت كل مرة أقول لنفسي يمكن الزيارة الجاية تبقى أحسن من اللي قبلها.
حماتي نزلت عينيها في الأرض، ومقدرتش ترد.
أما دعاء، فقربت مني وقالت
أنا كنت فاكرة إن هزارنا العادي ممكن يضايقك يومين وينتهي، لكن واضح إني كنت غلطانة. حقك عليا.
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقلت
المهم إن كل واحد فينا يتعلم من اللي حصل.
الراجل قام وهو شايل الملف والدفتر، وقال
أنا كده ارتحت. كنت خاېف أمشي من الدنيا قبل ما أشوفكم قاعدين بتتكلموا بدل ما كل واحد فيكم يشيل من التاني.
طارق وقف قدامي وقال قدام الجميع
أنا أخدت قرار.
الكل بص له.
قال بثبات
من النهارده، أي مناسبة عائلية هنجيها بكل حب، لكن لو حصل أي تقليل احترام لأي حد مننا، هنستأذن ونمشي من غير خناق ولا صوت عالي. والقرار ده هيمشي على الكل.
حماتي هزت رأسها بالموافقة، وقالت
معاك حق.
لأول مرة من وقت جوازنا، حسيت إن كلامي ليه قيمة، وإن وجودي في العيلة بقى معترف بيه.
وبعد شوية، اتجمعنا على الشاي، والجو بدأ يهدى، والضحكات رجعت، لكن المرة دي من غير سخرية ولا إحراج لحد.
وأنا خارجة مع طارق من البيت، وقفنا عند الباب.
بصلي وقال بابتسامة
إيه رأيك... نبدأ صفحة جديدة؟
ابتسمت وقلت
الصفحة الجديدة بتبدأ بالفعل، مش بالكلام.
هز رأسه موافقًا، وفتحلي باب العربية.
وأنا بركب، بصيت مرة أخيرة على بيت حماتي، وحسيت إن اليوم اللي بدأ بتوتر، انتهى بأهم درس ممكن تتعلمه أي عيلة
إن الاحترام هو اللي بيحافظ على البيوت، مش كثرة الزيارات ولا صلة القرابة.