رواية جديدة
احتفظت بيها بعد انتهاء بعض القضايا بإذن رسمي، ومذكرات خاصة كنت بسجل فيها طرق تتبع الشركات الوهمية وأساليب تزوير العقود.
كنت فاكرة إن الزمن انتهى بيها...
لكن القدر كان مخبي لها مهمة أخيرة.
وأنا بقلب في الأوراق، لقيت اسم شركة شد انتباهي.
المنصور للاستثمار.
الاسم نفسه...
منصور.
اسم والد حازم.
قلت لنفسي
معقولة؟
بدأت أراجع السجل التجاري والبيانات العامة، وكل ما أدور أكتر، كانت المفاجآت تكبر.
الشركة اتأسست برؤوس أموال صغيرة، وبعدها اتحولت ملايين الجنيهات بين حسابات مختلفة، ثم اختفت الأموال في شركات جديدة بأسماء أقارب وموظفين.
والأخطر...
إن اسم بنتي ندى كان موجود في أحد العقود كشريكة بنسبة 30.
جمدت في مكاني.
ندى عمرها ما اشتغلت في أي شركة.
ولا وقعت على أي عقد.
إذن...
التوقيع مزور.
وفي اللحظة دي فهمت كل حاجة.
حازم ما اتجوزهاش حبًا فيها.
اتجوزها لأنها الوريثة الوحيدة لبيت أبوها والأرض الصغيرة اللي ورثتها عن جدها، وكان محتاج اسمها النظيف يدخل بيه في شركاته عشان يبعد الشبهات.
ولما حملت...
بقى وجود الطفل هيخليها تتمسك بحقوقها أكتر، ويبقى الانفصال أصعب.
ولما بدأت تسأله عن الفلوس...
قرر يسكتها بالعڼف.
لكن الضړب خرج عن السيطرة.
...
قدمت كل المستندات للنيابة المختصة.
وبدأت التحريات.
وخلال أسابيع، اتكشف إن عيلة حازم كانت بتدير شبكة كاملة لغسل الأموال، والتلاعب في عقود الشراكة، والاستيلاء على أموال الورثة، باستخدام توقيعات مزورة.
وكان اسم ندى مجرد واحد من أسماء كتير.
لكن لأنه اسم حقيقي ونظيف...
كان أهم اسم عندهم.
...
حازم اتقبض عليه.
وأبوه.
وأخوه.
واتقبض كمان على محاسب الشركة والمحامي اللي كان بيزور العقود.
أما الحاجة ثريا...
فضلت تنكر لآخر لحظة.
لحد ما النيابة واجهتها برسائل صوتية كانت باعتاها لابنها.
كانت بتقوله فيها
خلصها من ۏجع الدماغ... وخليها توقع على أي ورقة.
لما سمعت صوتها...
اڼهارت.
واعترفت إنهم كانوا بيخططوا بعد الولادة مباشرة ينقلوا كل أملاك ندى بعقود بيع صورية، ثم يطلقوها بعد ما يضمنوا كل حاجة.
...
في المحكمة...
وقف حازم يبكي لأول مرة.
وقال للقاضي
أنا غلطت.
لكن القاضي رد عليه بهدوء
الخطأ يُغتفر... أما الچريمة فلها عقۏبة.
وصدر الحكم بالسجن المشدد عليه وعلى أفراد الشبكة، مع مصادرة الأموال غير المشروعة، وإبطال جميع العقود المزورة، ورد حقوق أصحابها.
كما حصلت ندى على حكم بالطلاق للضرر، وتعويض مدني كبير عن الاعتداء وما ترتب عليه من أذى جسدي ونفسي.
...
بعد انتهاء القضية، دخلت أنا وندى بيتها القديم.
كانت لسه متعلقة بألعاب الطفل اللي كانت اشترتها.
فضلت تبكي ساعات.
وقالت لي
كان نفسي أسمع كلمة ماما.
حضنتها وقلت
اللي راح عند ربنا أمانة، وربنا أرحم بيه مننا.
مرت الشهور ببطء.
ندى دخلت في علاج نفسي، وكانت كل يوم تستعيد جزءًا من قوتها.
أما أنا...
فقررت أحول المخبز لمكان مختلف.
خصصت جزءًا من أرباحه لصندوق مجاني لمساعدة السيدات المعنفات، وتوفير استشارات قانونية للي معندهمش ثمن المحامين.
كنت بقول لكل واحدة تدخل المخبز
الرغيف بيشبع البطن... لكن العدالة هي اللي بتداوي القلب.
بعد ثلاث سنوات...
كان في افتتاح مركز صغير لحماية النساء من العڼف الأسري، بتمويل من التعويضات اللي حصلت عليها ندى.
وفي يوم الافتتاح، وقفت
بنتي تلقي كلمة.
قالت
وهي مبتسمة لأول مرة من سنين
أنا خسړت طفلًا كنت بحلم بيه...
لكن ربنا نجاني من عمر كامل وسط ناس ما يعرفوش الرحمة.
وأمي علمتني إن الست القوية مش اللي ما بتقعش...
الست القوية هي اللي تقوم، وتمسك حقها بالقانون، وما تسمحش لحد يكسرها.
صفق الحضور طويلًا.
ونزلت من على المسرح حضنتني.
همست في ودني
لولاكي... كنت مت.
ابتسمت وسط دموعي.
وقلت لها
أنا ما أنقذتش بنتي...
أنا رجعت لها حقها.
وفي تلك اللحظة، أدركت أن العدالة الحقيقية لا تعيد من فقدناه، لكنها تمنع المچرم من أن يصنع ضحېة جديدة.
ومن يومها، كل واحدة كانت تدخل مخبزي خائڤة أو مکسورة، كانت تخرج وهي عارفة حقيقة واحدة
السكوت على الظلم لا يحمي صاحبه... أما القانون، فقد يتأخر، لكنه حين يأتي، لا يترك حقًا وراءه.
تمت.