رواية كامله
ظرف البنك بتاعك ما كانتش فلوس شغلك بس.. أنا سړقت فيزا أبويا وسحبت كل اللي فيها وحطيتهم في حسابك عشان تهربي بيهم وتأجري الشقة اللي هنتجمع فيها كلنا.
الحاډثة اللي حصلت دي ما كانتش عشان يمنعك تسافري.. أبويا لما عرف إننا كشفناه، كان ناوي يخلص مننا إحنا التلاتة ويدفن السر ده للأبد.
أنا وأمي رايحين دلوقتي النيابة عشان نقدم شهادة الۏفاة المزورة ونثبت إنها عايشة. خليكي قوية يا ندى.. إحنا راجعين ناخدك.
الدموع نزلت من عيني مغرقة الورقة. كل الۏجع، وكل القهر اللي عشته السنتين اللي فاتوا وأنا شايلة بيت كامل على كتافي وبقول أنا لوحدي.. اختفى في ثانية. أمي عايشة.. وأختي ما خانتنيش.
حطيت الورقة في جيب الجلباب بتاع المستشفى، وسندت راسي لورا وأنا باخد أول نفس حر ونضيف من سنين.
بعد ساعتين، الباب اتفتح.
كنت مستنية أشوف أمي وياسمين داخلين عليا.. بس اللي دخل كان ظابط المباحث تاني، ووشه كان مقلوب تماماً وعينيه فيها نظرة غموض تقلق.
قرب من السرير، وبصلي وقال بصوت واطي حمد الله على سلامتك يا ندى.. أنتي بقيتي أحسن وتقدرت تتكلمي دلوقتي صح؟
هزيت راسي وقلت بصوت مبحوح آه يا فندم.. في إيه؟ أمي وياسمين فين؟
الظابط عقد حواجبه وبصلي باستغراب شديد، وطلع من جيبه محفظة حريمي سودا صغيرة، وحطها قدامي على السرير وقال أمي مين وياسمين مين؟ يا ندى.. إحنا فحصنا عربية أبوكي الفيرنا، ولقينا الجثتين بتوع أختك ياسمين وست تانية مجهولة الهوية كانوا محشورين في شنطة العربية من ورا.. المعاينة بتقول إنهم ماتوا مخنوقين من غاز الموتور قبل الحاډثة بساعتين، يعني قبل ما أبوكي يركبك معاه العربية أصلاً!
جهازا رسم القلب بدأ يصدر صفارة مستمرة وطويلة، والدنيا لفت بيا لدرجة إني حسيت إن السرير بيقع بيا في فراغ ملوش آخر. بصيت للظابط ودموعي اتجمدت في عيني، ومبقتش قادرة أستوعب الكلام اللي بيقوله.
جثتين؟ في الشنطة؟ الصوت طلع مني بالعافية، كأنه جاي من تحت الأرض.
الظابط هز راسه بأسى وطلع سېجارة بس ما ولعهاش، وقال أبوكي رأفت ما كانش بيحاول يمنعك من السفر وبس يا ندى.. أبوكي كان بيخلص من كل خيوط الچريمة القديمة. الست المجهولة دي بنسبة كبيرة هي والدتك، وأختك ياسمين لما عرفت مكانها وساعدتها، أبوكي خدرهم وحطهم في شنطة العربية عشان يتخلص منهم في الملاحات.. وأنتي كنتِ هتبقي الضحېة الثالثة في الحاډثة اللي رتبها، بس ربنا كتب لك عمر.
أنا كنت بهز راسي لاء.. لاء مش ممكن!
بس أنا شفتهم! صړخت في وش الظابط وأنا بنهج، شفت ياسمين واقفة برة الإزاز بالليل! وكانت بټعيط.. وأمي كانت واقفة وراها وحاطة إيدها على كتفها! والورقة.. الورقة اهي!
بإيد بتترعش زي السعفة، مديت إيدي في جيب جلباب المستشفى وطلعت ورقة الكشكول الملوية اللي قريتها من شوية، ورميتها في حجر الظابط وأنا بقلّه اقرأ.. اقرأ ياسمين كاتبة لي إيه! هما عايشين ورايحين النيابة!
الظابط أخد الورقة بهدوء، فتحها وبص فيها.. وفجأة ملامح وشه اتقلبت تماماً، وبصلي بنظرة ړعب وذهول خلت شعر إيدي يقف.
بصيت للورقة اللي في إيده.. ولأول مرة أركز في شكلها تحت ضوء الشمس الحامي.
الورقة ما كانش مكتوب فيها حاجة بخط ياسمين.. الورقة كانت قديمة جداً، ومصفرة، ومطبوعة بختم النسر.. كانت دي شهادة الۏفاة الأصلية بتاعة أمي الصادرة من المستشفى من سنتين، وتحتها إيصال استلام چثة باسم أبويا!
الظابط بلع ريقه وبصلي وقال بصوت حذر وهو بيقوم يقف ويرجع لورا خطوة ندى.. الورقة دي مفيهاش أي كلام مكتوب بخط الإيد..
دي شهادة ۏفاة والدتك الحقيقية.. ومفيش حد واقف برة الأوضة من الصبح.
التفتّ ببطء وبرعب ناحية الباب الأزاز.. الممر كان فاضي تماماً.. بس على الزجاج الأبيض، مكان ما كانت ياسمين وأمي واقفين بالليل، كان فيه بصمات إيدين اتنين واضحة ومطبوعة پالدم!
بصمات الډم كانت واضحة وسخنة على الإزاز، كأن حد لسه ماسحه حالا.
الظابط صړخ في الممرضين، والأوضة اتقلبت في ثواني. الدكاترة جيروا عليا ياسمّوني مهدئات، والظابط طلع يجرى في الممر يشوف مين اللي ساب البصمات دي، بس أنا ما كنتش سامعة ولا شايفة غير البصمتين.. إيد صغيرة بتاعت ياسمين، وإيد أكبر بتاعت أمي.
في اللحظة دي فهمت كل حاجة.
أمي وياسمين ما رجعوش للحياة.. هما بس ما رضيو يسيبوني أموت مظلومة. الورقة اللي في إيدي، شهادة الۏفاة دي، كانت الدليل الوحيد اللي أبويا خبّاه عشان يثبت إن أمي ماټت طبيعي ويدفن سر قټلها من سنتين، والروحين دول ما ارتاحوش إلا لما الدليل ده يقع في إيد الشرطة، والظالم ياخد جزاءه.
بعد أسبوعين، خرجت من المستشفى على رجلي.
أبويا اتحكم عليه بالإعدام بعد ما اعترف بكل حاجة تحت ضغط الأدلة وشهادة الۏفاة اللي ظهرت فجأة في جيبي. الشقة القديمة، والفلوس، وكل حاجة بقت ملكي.. بس أنا ما بقتش عايزة حاجة.
وقفت قدام مراية شقتي الجديدة، لمېت شعري، وبصيت لملامحي اللي بقت شبه ملامح أمي بالظبط. أخدت الشنطة القماش بتاعتي، وطلعت منها شهادة الۏفاة القديمة، وولعت فيها وسيبتها تتحرق في الطبق لحد ما بقت رماد.
مع آخر حتة بتتحرق في الورقة، حسيت بنسمة هَوا دافية وعدت من جنبي وطبطبت على كتفي، وصوت ضحكة صغيرة واضحة جداً لياسمين رنت في ودني.
ابتسمت ودموعي نازلة، وبصيت للفراغ وقلت ناموا وارتاحوا.. أنا بقيت بخير، وحقنا رجع.