رواية جديدة

موقع أيام نيوز

ورغم جبروته ونفوذه حس إن البنت دي وراها سر، أو يمكن تكون هي السر اللي هيقلب حياته وحياة ابنه. وفي الليلة دي بالذات، لما الكل نام والهدوء ساد تماماً، ياسين لمح خيالها في المطبخ تحت ضوء القمر الخفيف، مكنتش بتشتغل، كانت بتتحرك وتتمايل لوحدها في سكون غريب وساحر، وفي اللحظة دي، الصمت اللي عاش فيه ياسين لسنين انكسر فجأة بطريقة مكنش يتوقعها، وبدأت خيوط حكاية غامضة مش هتنتهي بسهولة، حكاية هتكشف أسرار مكانش ينفع أبدًا تظهر للنور وتغير مصير الكل.
وقف ياسين عند باب المطبخ من غير ما يحس بنفسه.
كان متعود إن أي حد يكسر قواعد القصر يمشي في نفس اليوم.
لكن اللي شافه قدامه كان مختلف.
مريم كانت واقفة تعجن قطعة صغيرة من العجين، وتضحك لنفسها وهي بتشكلها على هيئة أرنب.
ولما لفت وشها وشافته، ابتسمت وقالت بكل هدوء
أسفة... صحيت جعانة.
عقد حاجبيه.
إنتِ عارفة الساعة كام؟
قالت وهي بتبص للسما من الشباك
واحدة ونص.
وعارفة قوانين البيت؟
هزت رأسها.
عارفاها.
ومع ذلك كسرتيها؟
ابتسمت.
القوانين معمولة علشان تنظم الحياة... مش علشان تمنعها.
فضل يبصلها ثواني.
لأول مرة من سنين، حد يرد عليه من غير خوف.
وقبل ما يتكلم...
سمعوا صوت صغير.
لفوا الاتنين.
كان سليم واقف عند باب المطبخ، ماسك دبدوبه، وبيبص لمريم.
نزلت لمستواه.
وقالت
تحب الأرنب ده؟
الولد هز رأسه.
أدتهوله.
ابتسم.
ودي كانت أول ابتسامة يشوفها ياسين على وش ابنه من يوم ۏفاة أمه.
بدأت الأيام تتغير.
مريم عمرها ما ضغطت على سليم إنه
يتكلم.
كانت تلعب معاه بالرسم.
بالصلصال.
وبالمزيكا الهادية.
وفي كل مرة ياسين يشوفها، يكتشف إنها مش جاية تغير الطفل...
هي جاية ترجع له إحساسه بالأمان.
وبالتدريج، القصر نفسه بدأ يرجع فيه صوت.
ضحكات.
ألوان.
ريحة كيك في المطبخ.
حتى الشجر في الجنينة بقى يتسقى بانتظام بعد ما كان كله ذابل.
لكن في يوم...
سليم اختفى.
القصر كله اتقلب.
رجال الأمن دوروا في كل مكان.
ياسين كان هيجن.
ولما وصلوا للبيانو الأسود المقفول من سنين...
لقوا مريم قاعدة على الأرض.
وسليم في حضنها.
قالت بهدوء
متخافش... هو اللي طلب ييجي هنا.
استغرب.
إزاي طلب؟
بصت لسليم.
وقالت
لو عايز تقول لبابا بنفسك... قوله.
سكت الطفل ثواني.
وبعدين...
بص لأبوه.
وقال بصوت ضعيف متقطع
بابا...
الكلمة نزلت على قلب ياسين زي المطر بعد سنين جفاف.
جري عليه، حضنه، وفضل يبكي لأول مرة قدام حد.
سليم حضنه جامد.
وقال
ماما... كانت بتعزف هنا.
سكت.
وبعدين كمل
أنا كنت فاكر... لو اتكلمت... هنساها.
انهار ياسين.
وفهم لأول مرة إن ابنه مكانش رافض الكلام...
كان متمسك بذكرى أمه بالطريقة الوحيدة اللي عرفها.
بعد أيام...
فتح ياسين أوضة فريدة لأول مرة.
كانت مقفولة من يوم ۏفاتها.
جواها لقى جواب باسمه.
كان مكتوب فيه
يا ياسين...
لو بتقرأ الرسالة دي، يبقى أنا مش معاك.
أوعى تحوّل البيت لمتحف للحزن.
ولو سليم سكت...
افتكر إنه محتاج حضنك، مش أوامرك.
وأوعى تخاف من إن حد جديد يدخل حياتكم.
الحب عمره ما كان خېانة للذكريات.
ياسين فضل يبكي وهو ماسك الرسالة.
وحس إنه هو كمان كان محتاج يسمع الكلام ده.
بعد شهور...
ابتدى يفتح البيانو.
رجعت الموسيقى للقصر.
ورجع الموظفين يضحكوا.
وسليم بقى يجري في الجنينة ويكلم الكل.
أما مريم...
فقدمت استقالتها.
دخلت مكتب
تم نسخ الرابط