انا حامل

موقع أيام نيوز

كان أشبه بهمس أمواج هادئة
مصطفى.. الوقت يداهمنا. ابنك يحتاج إلى أن يرى الضوء، والماء لا يعطي حياة إلا لمن يقبل بعهده.
لم أعد خائفاً، بل شعرتُ بانجذاب غريب. مشيتُ خلف ذلك الضوء الذي قادني لا إرادياً مرة أخرى إلى بحيرة الغموض. هذه المرة، لم يكن هناك ړعب، كان هناك شعور بالانتماء. وصلتُ إلى حافة البحيرة، ووجدتُها تنتظر، كانت جالسة على صخرة كبيرة، وجهها يفيض بالهدوء، وبطنها الذي كان بادياً عليه الحمل يوحي بحياةٍ جديدة، حياة ليست بشړية تماماً وليست مائية تماماً.
قالت بصوت رقيق أنت لا تغادر عالمك، أنت تكتشف حقيقته. العهد الذي قطعه جدك لم يكن خېانة لأهلك، بل كان حماية لهذه الأرض من الجفاف والضياع. ابننا هو الجسر الذي سيصل بين الأرض والماء.
الفصل الرابع الټضحية والعهد
لم يكن المطلوب مني أن أترك حياتي وأعيش كسمكة، بل كان المطلوب هو القبول. وضعتُ يدي على مياه البحيرة، وفجأة، شعرتُ بطاقة باردة تسري في عروقي. رأيتُ في لحظات آلاف السنين من تاريخ هذه الأرض، كيف كانت البحيرة هي القلب الذي يضخ الحياة في الغيط، وكيف أن عائلتي كانت حارسة لهذا السر.
لم تكن تحمل طفلاً بالمعنى البيولوجي، بل كانت تحمل بذرة من جوهر الطبيعة، وكان دوري هو أن أكون الوعاء البشري الذي يمنح هذه البذرة روحاً وأرضاً لتنمو فيها. لم تكن خېانة للبشرية، بل كانت أسمى أشكال الشراكة مع الكون.
الفصل الخامس الحياة الجديدة
مرت الشهور، وعروسة البحر لم تعد تظهر في البحيرة. بدلاً من ذلك، بدأتُ أشعر بحضورها في كل قطرة مطر، وفي كل مرة تفيض فيها الترعة لتسقي أرضنا. أصبحتُ مزارعاً من نوع خاص، محصولي كان الأجود، وقريتي لم تعرف الجفاف أبداً منذ ذلك الحين.
وفي إحدى الليالي، بينما كنتُ أجلس بجانب البحيرة، وجدتُ طفلاً صغيراً بملامح بشړية عادية، لكن عينيه بلون المحيط، يجلس على الضفة ويمسك بيدي. لم يقل شيئاً، لكنه ابتسم لي، وفهمتُ حينها أن العهد قد تم، وأن ابني هو حامي البحيرة، وأنا حامي الأرض، وأن القصص التي تبدو مرعبة في بدايتها، قد تكون في نهايتها أعظم معجزات الحياة التي نغفل عنها.
رحلت الكائنة المائية، لكنها تركت لي أعظم هبة، وأصبحت حياتي مرتبطة بالأرض والماء، في توازن أبدي لا يقطعه إلا الإخلاص للسر الذي حملتُه في قلبي، بعيداً عن صخب الناس وجهلهم، في سلامٍ أزلي يشبه هدوء البحيرة وقت الغروب.
وهكذا، أدركتُ أن الحكاية لم تكن عن نداهة أو خوف، بل كانت عن الأمانة التي كُلفتُ بها، وعن الابن الذي لم يولد من رحم، بل وُلد من عهدٍ قديم، ليبقى شاهداً على أن عالمنا أوسع بكثير مما تراه عيوننا العادية.

تم نسخ الرابط