رواية جديدة

موقع أيام نيوز

القلوب.
أغلق مينا هاتفه ووضعه على المكتب.
ثم قال بهدوء
مش هتهم حد... لكن من دلوقتي، أي خطوة هنعملها لازم تبقى قدام الكل.
أومأ جورج موافقًا.
أما فؤاد، فجلس في هدوء وقال
وده اللي كانت ماريان نفسها عايزاه.
اقترب جورج من الكمبيوتر.
فصل كابل الإنترنت بنفسه، ثم أغلق شبكة الواي فاي.
وقال
دلوقتي الجهاز معزول تمامًا.
أعاد فتح الفلاشة.
ثم ضغط على ملف الأمانة.
ظهرت عشرات الملفات المرتبة حسب التواريخ.
وفي مقدمتها ملف بعنوان
ابدأ بالحقيقة.
فتحوه.
لم يكن فيديو هذه المرة...
بل رسالة صوتية.
ضغط مينا على زر التشغيل.
وجاء صوت ماريان واضحًا
يا بابا... أول حاجة لازم تعرفها، إن اللي حصل من سنتين ما كانش مجرد حاډث طريق.
تجمدت ملامح مينا.
واصل الصوت
العربية اتعطلت قبل الحاډث بساعات، وأنا كنت عارفة إن فيها مشكلة، لكن ماكنتش أعرف إنها هتوصل للحاډث اللي حصل.
تنهدت في التسجيل، ثم أكملت
لما فوقت بعد الحاډث... لقيت ناس حواليا بيقولوا إن لازم أختفي فترة، لأن في أوراق مهمة لو وقعت في إيد الشخص الغلط، هتضيع حقوق ناس كتير.
نظر مينا إلى جورج.
قال بصوت خاڤت
يعني كانت عايشة بعد الحاډث...
هز جورج رأسه، لكنه لم يعلق.
استمر التسجيل
أنا وافقت أستخبى... بشرط واحد.
سكتت لحظة.
إن أول ما الخطړ يخلص... أرجع لحضنك.
اغرورقت عينا مينا بالدموع.
لكن التسجيل لم ينته.
قالت ماريان
ولو أنا ما قدرتش أرجع... يبقى أكيد فيه سبب أكبر مني.
ثم توقف الصوت.
ظهر ملف آخر اسمه
الشاهد الأول.
قبل أن يفتحه جورج...
رن هاتف فؤاد.
نظر إلى الشاشة، ثم أغلقه فورًا.
لاحظ مينا ارتباكه.
سأله
مين كان بيتصل؟
رد فؤاد بسرعة
رقم غلط.
لكن مينا لمح اسمًا على الشاشة قبل أن تنطفئ...
دير الأنبا أنطونيوس.
رفع رأسه ببطء.
رقم غلط... ولا حد مستني يعرف إحنا وصلنا لإيه؟
لم يجب فؤاد.
واكتفى بالنظر إلى الأرض.
وفي اللحظة نفسها...
وصلت رسالة جديدة إلى هاتف مينا من الرقم المجهول
لو عايز تشوف ماريان بعينك... سافر الدير قبل شروق الشمس. بعد كده هيبقى فات الأوان النهاية
لم ينم مينا تلك الليلة.
ظل ينظر إلى الرسالة الأخيرة، وكأنها الفرصة الوحيدة التي بقيت له.
وقبل أذان الفجر، انطلق هو وجورج إلى دير الأنبا أنطونيوس.
كان الطريق طويلًا، وكل دقيقة تمر كانت أثقل من التي قبلها.
وعندما وصلا إلى الدير، استقبلهما أحد الرهبان وكأنه كان ينتظرهما.
قال بهدوء
الأستاذ مينا؟
أومأ برأسه.
ابتسم الراهب ابتسامة حزينة وقال
اتفضل... في حد نفسه يشوفك.
توقف قلب مينا.
دخل ممرًا طويلًا حتى وصل إلى حديقة صغيرة داخل الدير.
وهناك...
كانت تقف شابة ترتدي ملابس بسيطة، وظهرها إليه.
قال بصوت مرتجف
ماريان...
استدارت ببطء.
وانهمرت دموعه.
كانت هي.
كبرت سنتين، لكن ابتسامتها لم تتغير.
ركض نحوها، وهي أيضًا جرت نحوه.
احتضنها بقوة، وهو يبكي لأول مرة دون أن يخجل.
قال وهو يربت على شعرها
سامحيني... سامحيني يا بنتي.
بكت ماريان وقالت
أنا عمري ما زعلت منك يا بابا... كنت بس مستنية اليوم ده.
وقف جورج بعيدًا، ومسح دموعه في صمت.
بعد أن هدأت المشاعر، جلست ماريان تحكي الحقيقة كاملة.
بعد الحاډث، نُقلت إلى مستشفى قريب وهي فاقدة الوعي.
ولأن أوراقها كانت مفقودة، حدث خطأ في تسجيل البيانات، وفي الوقت نفسه كان هناك جثمان آخر تعذر التعرف عليه.
وسط الارتباك، اعتقد الجميع أنها هي المتوفاة.
وقبل تصحيح الخطأ، ظهرت مستندات كانت والدتها ميرفت قد تركتها مع المحامي جورج، تثبت حقوق عدد من العاملين والشركاء الصغار في شركة العائلة، وتمنع ضياع أموالهم.
لكن بعض أصحاب المصالح حاولوا الاستيلاء على تلك الحقوق، فنصح أشخاص أمناء ماريان بأن تبقى بعيدة فترة قصيرة حتى تُحفظ المستندات وتُستكمل الإجراءات القانونية.
ومع مرور الوقت، تعقدت الأمور أكثر، حتى أصبح إعلان ظهورها المفاجئ قد يفسد كل ما كانت تسعى إليه والدتها قبل ۏفاتها.
لذلك ظلت على تواصل مع عدد محدود جدًا من الأشخاص الذين وثقت بهم، وكانت تتابع أخبار
والدها من بعيد،
حتى تأكدت أنه بدأ يبحث بنفسه عن الحقيقة.
أما نانسي...
فلم تكن شريكة في أي چريمة، ولم تكن قد أخفت ماريان.
هي أيضًا كانت تعتقد أن ماريان ټوفيت، مثل مينا تمامًا.
لكنها كانت تخشى أن يؤدي فتح الماضي من جديد إلى اڼهيار استقرار العائلة والشركة، لذلك حاولت منعه من البحث، بدافع الخۏف لا بدافع الذنب.
وماهر...
كان يخشى فقط أن تؤدي المفاجآت إلى نزاعات قانونية تهدد الشركة التي قضى سنوات في إدارتها، فتصرف باندفاع، لكنه لم يكن جزءًا من أي مؤامرة.
بعد أسابيع، ظهرت الحقيقة كاملة أمام الجهات المختصة.
صُححت السجلات الرسمية.
وأُلغيت شهادة الۏفاة الخاطئة.
وعادت ماريان إلى بيتها.
دخلت غرفتها، فوجدتها كما تركتها.
الكتب في أماكنها...
والصور على الحائط...
والإسورة الفضية ذات الصليب الصغير ما زالت في يدها.
ابتسمت وهي تنظر إلى والدها.
وقالت ضاحكة
فاكر آخر رسالة بعتها لك؟
ابتسم مينا وسط دموع الفرح.
أيوه... كتبتي ماتتأخرش.
ردت وهي تمسك يده
وأخيرًا... جيت في معادك.
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد مينا يؤجل لقاء من يحب، ولا يترك كلمة محبة لوقت آخر.
لأنه تعلم أن أغلى ما في الحياة ليس المال ولا النجاح...
بل أن تجد من تحب بجوارك، قبل أن تظن أنه أصبح مجرد ذكرى.
تمت.

تم نسخ الرابط