رواية جديدة
المحتويات
قفلت على نفسي. قمت قعدت على المكتب وفتحت اللاب توب، ومسكت التليفون. كتبت للرقم المجهول لو عندك حاجة قولها علطول، بلاش أسلوب الألغاز ده، أنا مش هسمع لكلام من شخص مستخبي ورا شاشة.
دقيقة... دقيقتين... والتليفون رن. مكنتش رسالة، كان هو نفس الرقم بيتصل. قلبي سقط في رجلي. فضلت باصة للشاشة والخط بيجمع. رديت وصوتي كان بيترعش بس حاولت أخليه قوي ألو؟
جالي صوت من الناحية التانية، صوت ست بس كان واطي ومكتوم، كأنها بتتكلم من مكان مقفول أو مش عايزة حد يسمعها كويس إنك رديتي يا نادين. أنا مش عايزة أأذيكي، بالعكس، أنا بصعب عليا البنت اللي بتدخل على عماها وبتفتكر إنها لقت فارس أحلامها.
سكت ثواني وبعدين قولت بحدة انتي مين؟ وتعرفي طارق منين؟ وإيه اللي يخليني أصدق واحدة ميكانش عندها الشجاعة تقول اسمها؟
الست ضحكت ضحكة خفيفة وفيها مرار مش مهم أنا مين، المهم خطيبك المصون. اسأليه كده عن أميرة. اسأليه الشقة اللي إنتي بتنقي ألوانها دي كانت بتاعة مين قبلك؟ والدهب اللي اتفقتوا عليه بسبعين ألف جنيه، ليه الرقم ده بالذات؟ اسأليه وراقبى وشه وهو بيتكلم، وشوفي هيقدر يبص في عينك ولا لأ. طارق مش بخيل يا نادين، طارق بيستخسر فيكي إنتي بالذات عشان دايماً شايفك الخطة البديلة.
الخط قطع. التليفون رجع لشاشته الرئيسية وأنا فضلت حاطاه على ودني ومش قادرة أتحرك. الكلام كان زي السكاكين. أميرة؟ مين أميرة دي؟ الشقة كانت بتاعة حد قبلي؟ طارق قالي إن الشقة دي ورث عن جده وإنه كان شايلها للزمن ولجوازه. إزاي تكون كانت بتاعة حد تاني؟ والسبعين ألف؟ الرقم ده هو اللي بابا اقترحه وطارق وافق علطول من غير نقاش، وقتها فرحت وقولت إنه شاري ومحترم الكلمة. هل الرقم ده ليه سر تاني؟
حسيت بخنقة مش طبيعية، الأوضة بقت ضيقة عليا. قمت فتحت الدولاب وطلعت الأجندة بتاعتي اللي بكتب فيها كل حاجة. قعدت أقلب في الصور اللي بينا، في الرسايل القديمة على الواتساب. دخلت على صفحته على الفيسبوك وبقيت بفر فيها كأني بدور على إبرة في كوم قش. قعدت أشوف الكومنتات القديمة، اللايكات، أي اسم بنت يتكرر. مكنش فيه حاجة واضحة، كل حاجة كانت تبان طبيعية جداً.
بس كلام الست دي كان فيه تفاصيل تخوف، تفاصيل تخلي الواحد يشك في نفسه وفي كل خطوة خطاها. نمت ليلتها وأنا مش عارفة أغمض عيني، كل ما يجيلي نوم أشوف طارق وهو باصصلي في محل الدهب ونظرته دي تتحول لوش الست الغريبة اللي كلمتني.
تاني يوم الصبح، صحيت وعيني منفوخة من كتر التفكيروقلة النوم. ماما جهزت الفطار ودخلت عليا الأوضة، بصت في وشي وقالت بقلق يا بنتي إنتي مش عاجباني من إمبارح. من ساعة ما رجعنا من عند الجواهرجي وإنتي قافلة على نفسك. طارق كلمك؟ حصل حاجة بينكم وإحنا مش واخدين بالنا؟
حاولت أبتسم وأبين إن الموضوع عادي لا يا ماما مفيش حاجة، تلاقيني بس متوترة من اللفة والتفكير في الترتيبات اللي جاية، متقلقيش.
ماما مكنتش مقتنعة، بس سابتني براحتي وقالت ماشي يا نادين، بس افتكري إن الجواز مبيكملش بالدهب ولا بالمظاهر، بيكمل بالود والرحمة. لو فيه حاجة مضيقاكي من طارق اتكلمي معاه، متشيليش في قلبك.
كلام ماما كان بيجي على الچرح. الود والرحمة... هل طارق عنده ود ورحمة فعلاً؟
الساعة جت اتناشر الضهر، وتليفوني رن. كان طارق. اتنفست جامد وحاولت أظبط صوتي قبل ما أرد ألو، صباح الخير يا طارق.
رد بصوته العادي جداً، كأن مفيش أي حاجة حصلت إمبارح، كأن مكسرش بخاطري قدام الناس صباح النور يا حبيبتي. صاحية متأخر يعني؟ المهم، أنا كلمت المهندس وهيعدي على الشقة بكره عشان يبدأ في تركيبات السباكة الأخيرة، عايزك تيجي معايا عشان لو ليكي رأي في شكل الحوض أو الخلاطات.
البرود اللي بيتكلم بيه استفزني. مفيش حتى كلمة انتي زعلتِ إمبارح؟ ولا معلش متزعليش مني بخصوص الخاتم. مفيش أي اعتبار لمشاعري.
قولتله بهدوء ممېت طارق، إنت مش شايف إننا المفروض نتكلم في اللي حصل إمبارح الأول قبل ما نشوف السباكة والشقة؟
سكت ثانية وبعدين قال بنبرة فيها سنة زهق تاني يا نادين؟ هنرجع نفتح موضوع إمبارح؟ ما إحنا خلاص جبنا الشبكة والموضوع خلص والناس كلها باركتلنا. أنا قولتلك اللي معايا وقتها وخلاص، مش لازم نعمل من الحبة قبة ونعطل الشغل في الشقة عشان خاتم.
دموعي كانت هتنزلو بس حبستها، وقولتله الموضوع مش موضوع خاتم يا طارق، الموضوع طريق كلامك ونظرتك ليا. إنت حسستني إني حمل عليك وإني بطمع في حاجة مش من حقي، في حين إنك في نفس اليوم كنت جايب لمامتك خاتم أغلى ومفكرتش ثانية.
صوته حدّ فجأة وقال نادين! أمي دي خط أحمر، بلاش تحطي نفسك في مقارنة معاها. بعدين أنا قولتلك كان معايا كاش كام في جيبي وقتها. خلاص بقى اقفلي السيرة دي. هتيجي بكره معايا الشقة ولا أروح لوحدي؟
في اللحظة دي، افتكرت كلام الست في التليفون اسأليه الشقة دي كانت بتاعة مين قبلك؟. حسيت إن دي الفرصة إني أرمي الكلمة وأشوف رده فعلة، يمكن تطلع الست دي كدابة وأرتاح، ويمكن تطلع صح وأفوق.
قولتله بصوت ثابت وموجّه هاجي معاك يا طارق... بس قولي، الشقة دي بجد إنت مغيرتش فيها أي تقسمية من يوم ما استلمتها؟ يعني مكنتش متوضبة على ذوق حد تاني قبلي؟
الدنيا سكتت تماماً من الناحية التانية. الخط مكنش قاطع، كنت سامعة صوت نفسه بس كان سريع ومكتوم. السكوت ده طول لدرجة إني حسيت بقلبي بيقع تاني.
بعد ثواني، طارق قال بصوت متغير تماماً، صوت ماليان توتر وحذر إنتي... إنتي بتقولي كده ليه؟ حد قالك حاجة عن الشقة؟
السؤال بتاعه مكنش إجابة، كان تأكيد على إن فيه مصېبة مستخبية ورا الحيطان دي. رجعت خطوة لورا وسندت على الحيطة وأنا حاسة إن الأرض بتلف بيا. طارق مخبي عليا حاجة كبيرة، والرسالة المجهولة طلعت مش مجرد كلام تافه لخربشة البيوت... دي كانت أول خيط في حقيقة كاملة أنا معرفش عنها أي حاجة.
نبرة التوتر اللي في صوته خلت كل شكوكي تتحول لليقين. السكوت اللي ساد بيننا على الخط مكنش سكوت عادي، ده كان سكوت واحد اتفاجئ بضړبة مكنش عامل حسابها. طارق اللي دايماً صوته عالي وعنده رد لكل حاجة، واقف دلوقتي مش عارف يقول إيه.
رديت عليه ببرود عكس الڼار اللي بتاكل فيا بقول كده عادي يا طارق، أصل الشقة تفصيلتها غريبة شوية، كأنها كانت معمولة لذوق حد تاني خالص غير ذوقك اللي أنا عارفاه. إنت ليه اتوترت كده؟
حاول يجمع نفسه بسرعة، وضحك ضحكة صفرا ماليانة تصنع وقال أتوتر؟ وأتوتر ليه يا بنتي؟ أنا بس استغربت سؤالك اللي ملوش معنى ده. الشقة زي ما قولتلك ورث، وأنا اللي مقسمها على ذوقي من كام سنة. عموماً، بلاش كلام ملوش لزمة في التليفون، بكره لما نتطابق في الشقة نبقى نتكلم. هعدي عليكي الساعة أربعة، خليكي جاهزة.
قفل الخط بسرعة كأنه بيهرب من الأسئلة. رميت التليفون
متابعة القراءة