خذي هذا يا أميرة، قالت لي حماتي أم أحمد
أسامحها أبداً، لكن شهادتها كانت المسمار الأخير في نعشهم. شهدت بأن أم أحمد اختارت البالونات البيضاء لأن الاحتفال النظيف والأنيق يبدو أقل إثارة للشبهات. وشهدت بأن أحمد كان يخطط لبيع أجزاء من الشركة بعد تحصيل أموال التأمين على الحياة. وشهدت بأن عادل تلقى تعليمات بنقل سيارتي في منتصف الليل.
بكت صفاء كثيراً على منصة الشهود، وأنا لم أبكِ، ليس أمامها. بكيت في شقتي المؤقتة، عندما خلعت حذائي ونظرت إلى باطن قدمي الذي لا يزال يحمل ندوباً من ذلك الركض حافية القدمين على الأسفلت. بكيت عندما سمعت أغنية رومانسية، وبكيت عندما مررت بوكالة سفر، وبكيت كلما ذكر أحد السفر. ولكن في كل مرة كنت أبكي فيها، كنت أشعر بأنني أخف قليلاً.
ظل البيت مغلقاً خلال الإجراءات القانونية، ولم أنم هناك مجدداً أبداً. وعندما مُنحت الإذن أخيراً لاستعادة ممتلكاتي، ذهبت مع مصطفى، وضابطي شرطة، وصانع أقفال.
كانت البالونات البيضاء قد أفرغت من الهواء ودُفعت في كيس قمامة. وجف شراب الفرح لزجاً على أسطح الرخام، وكانت رائحة غرفة الاستقبال قديمة وركدة.
صعدت إلى غرفة نومي. كانت ملابسي لا تزال معلقة في الخزانة، وعطري على طاولة الزينة، وقرط على الطاولة الجانبية للسرير. حياة كاملة تنتظر امرأة لم تعد موجودة.
حزمت أشياء قليلة فقط في حقيبة. جواز سفري، وسترة خضراء، وصور والدي، وكوب القهوة الأزرق الذي أعطتني إياه أمي عندما تزوجت، وهي تخبرني لكي لا تنسي أبداً أن تشربي شيئاً دافئاً عندما يصبح العالم بارداً.
في المكتب، وجدت اللوحة معلقة بشكل مائل، وكانت الخزنة فارغة. حدقت فيها، فهناك كان أحمد قد حفظ مۏتي وكأنه معاملة ورقية قياسية. تركت ورقة واحدة بالداخل، بيضاء فارغة.
سألني مصطفى ما هذا؟
قلت استقالتي.
قال من ماذا؟
قلت
من الاضطرار إلى شرح لماذا أستحق العيش.
لم يفهم في البداية، ثم احتضنني.
بعد عام، وُجهت لأحمد رسمياً تهم جنائية متعددة، ولأم أحمد أيضاً. وعقد عادل صفقة لتقديم شهادته، والمحامي الذي صاغ الوثائق المزيفة خسر ما هو أكثر بكثير من مجرد رخصته.
تم بيع البيت، ولم أهتم، فلم أكن أريد أبداً العيش في منزل استمع إلى نخب يحتفل بغيابي.
بحصتي من المال، اشتريت شقة صغيرة في وسط المدينة، بها نافذة كبيرة تطل على أفق المدينة عندما يكون الطقس صافياً. في أول يوم أحد استيقظت فيه هناك، لم تكن هناك موسيقى زنيفة، ولا قعقعة كؤوس، ولا خطوات غرباء، فقط الصمت، صمتي أنا.
صنعت القهوة، وفتحت باب الشرفة، فاندفع هواء الصباح قويّاً ومنعشاً. وللمرة الأولى منذ وقت طويل جداً، أخذت نفساً عميقاً دون أن أطلب إذناً من أحد.
بعد أشهر، أخذني مصطفى إلى المطار. هذه المرة، كنت أحمل تذكرة حقيقية. مدريد، باريس، روما. ليس للاختفاء، بل للظهور.
في طابور تسجيل الوصول، نظر إلي أخي والقلق في عينيه وقال هل أنتِ متأكدة من أنكِ بخير في الذهاب بمفردكِ؟
فابتسمت وقلت لم أكن يوماً أقل وحدة.
فاحتنقني وقال أرسلي لي موقعكِ كل يوم.
قلت متحكم.
قال لقد نجوتِ من محاولة قتل، لقد كسبت الحق في أن أكون متحكماً. فضحكت.
بعد أن مررت عبر الأمن، نظرت إلى الوراء. كان مصطفى لا يزال واقفاً هناك، يلوح بيده. فكرت في أم أحمد وهي تعانقني في هذه الصالة بالذات، وتتوسل إلي ألا أعود لمدة ثلاثة أسابيع. وفكرت في المظروف الذي يحتوي على 15 ألف. وفكرت في التوقيع المزور، والشهادة، والملاحظة، والسيارة التي لم تحترق أبداً.
وفهمت شيئاً واحداً بوضوح تام. لم يرسلوني للسفر لأستريح، بل أرسلوني بعيداً ليمحوني. لكن المرأة التي تعود مبكراً يمكنها
ټدمير خطة رئيسية كاملة.
صعدت إلى الطائرة. ومع إقلاعها، شاهدت أضواء المدينة تصبح صغيرة تحت سماء الليل. لم أشعر بالخۏف؛ شعرت بالڠضب، نعم، وبالحزن أيضاً. ولكن تحت كل ذلك، كان هناك شيء جديد تماماً، شيء ملكي بالكامل، شيء لا يمكن أن يتسع له أي مظروف، أو بوليسة تأمين، أو وثيقة مزورة. الحرية.
ظن أحمد أن اختفائي يمكن التوقيع عليه، وظنت أم أحمد أن حياتي يمكن شراؤها، وظنت صفاء أن مكاني يمكن ببساطة وراثته. وثلاثتهم كانوا على خطأ فادح.
لأنني لم أختفِ، بل عدت. وعندما تعود امرأة لتنقذ حياتها الخاصة، فلا يوجد منزل، ولا اسم عائلة، ولا عائلة مستعارة يمكنها أبداً ډفنها على قيد الحياة.