دفنت مراتي بقلم زهرة الربيع

موقع أيام نيوز

لأول مرة.
أنا.
حسام.
الست الكبيرة.
الدكتور شريف.
الرجال اللي جم معاه.
حتى يوسف نفسه.
فريدة قالت بوضوح
فيه شخص وسطكم مش الشخص اللي بيقول إنه هو.
الجملة دي قلبت كل حاجة.
أحد الرجال قال بعصبية
محدش هيتحرك من مكانه.
لكن الدكتور شريف ضحك لأول مرة من بداية الليلة.
ضحكة قصيرة ومرة.
متأخرين.
تقصد إيه؟
أقصد إن الشخص ده بيلعب بيكم من أول يوم.
نظرت إليه پغضب.
لو تعرفه قول مين هو!
لكن شريف هز رأسه.
لو قلته دلوقتي محدش هيصدقني.
في اللحظة دي رن هاتفي مرة أخرى.
رسالة جديدة.
من نفس الرقم المجهول.
فتحتها بسرعة.
وكان فيها صورة واحدة.
صورة التُقطت منذ دقائق فقط.
تجمدت في مكاني.
لأن الصورة كانت لنا نحن.
على السطح.
أنا وحسام ويوسف والست الكبيرة.
الصورة متصورة من مكان قريب جدًا.
يعني...
في شخص كان يراقبنا الآن.
في هذه اللحظة.
وتحت الصورة مكتوب
اسألوا الست الكبيرة عن اسمها الحقيقي.
رفعت رأسي ببطء.
كل الأنظار اتجهت نحوها.
الست تراجعت خطوة.
وشها فقد لونه.
حسام قال بحدة
يعني إيه؟
مفيش.
اسمك إيه؟
أمينة.
ده اسمك الحقيقي؟
سكتت.
هنا فقط فهمنا.
الدكتور شريف أغمض عينيه وكأنه كان ينتظر اللحظة دي.
أما الست الكبيرة فجلست ببطء على الكرسي.
وقالت بصوت متعب
لا.
شهق يوسف.
أما أنا فشعرت بقشعريرة.
يبقى اسمك الحقيقي إيه؟
أغمضت عينيها ثواني.
ثم قالت
اسمي... نادية.
الاسم وقع كالحجر.
لكننا لم نفهم معناه.
إلا عندما أكملت
نادية فؤاد.
فجأة تغير وجه الدكتور شريف.
لأول مرة رأيته مصدومًا فعلًا.
والست قالت
وأنا مش مجرد شاهدة على اللي حصل.
أنا كنت جزء منه.
جزء من إيه؟
نظرت إلى يوسف بعينين مليئتين بالدموع.
ثم قالت
لأني الممرضة اللي استلمت الطفل يوم ولادته.
صمت.
ثم أضافت
يوم ما اتولد يوسف... كان فيه طفل تاني اتولد في نفس الليلة.
بدأ قلبي يدق أسرع.
طفل تاني؟
أيوة.
وبعدين؟
انهمرت دموعها.
وبعدها حصلت أوامر بتبديل الملفات.
تجمد الجميع.
حتى الهواء اختفى من المكان.
ملفات مين؟
رفعت رأسها ببطء.
وقالت
ملفات الطفلين.
يوسف اتراجع خطوة.
أما حسام فبدا وكأنه فقد القدرة على الكلام.
ثم همست نادية
من يومها وأنا مش عارفة الطفل اللي قدامي ده...
هو فعلًا يوسف...
ولا الطفل التاني.
سقط الصمت على الجميع.
لكن قبل أن نستوعب ما سمعناه...
وصلت رسالة جديدة على هاتف يوسف.
هذه المرة لم تكن صورة.
ولا عنوانًا.
كانت كلمة واحدة فقط
وصلوا.
وفي نفس اللحظة...
انطفأت كل أنوار الشارع أسفل العمارة دفعة واحدة.
وغرق المكان كله في ظلام كامل.
ثم سمعنا صوت مصعد العمارة يصعد ببطء...
ويتوقف عند السطح توقف المصعد عند السطح.
طنّ.
الصوت البسيط ده كان مرعب أكتر من أي حاجة حصلت الليلة كلها.
الظلام غطى المكان بالكامل، وما بقاش ظاهر غير أضواء بعيدة جاية من الشوارع المجاورة.
كلنا ثبتنا أنظارنا على باب المصعد.
لا أحد بيتكلم.
لا أحد بيتحرك.
ثم...
بدأ الباب يفتح ببطء.
شششش...
ظهر أولًا حذاء أسود.
ثم رجل طويل القامة نزل من المصعد.
وخلفه شخص تاني.
والثالث...
كانت امرأة.
أول ما شافتها نادية، أطلقت شهقة قوية وكادت تقع من الصدمة.
مستحيل...
الرجل الأول رفع رأسه ونظر إلينا بهدوء غريب.
ثم قال
بقالنا سنين بندور على نهاية الحكاية دي.
الدكتور شريف شحب وجهه.
إنت...
أيوة.
وسكت.
لكن واضح إنهم يعرفوا بعض.
الرجل اقترب أكثر.
وفي الضوء الخاڤت قدرت أشوف ملامحه.
كان في أواخر الخمسينات.
هيبة غريبة.
ونظرة باردة جدًا.
أما المرأة الواقفة خلفه فكانت تحمل حقيبة جلدية سوداء.
تقدمت للأمام ووضعتها على الأرض.
ثم فتحتها.
وأخرجت ملفًا سميكًا.
مكتوب عليه بخط أحمر كبير
24
الملف 24.
الملف اللي الكل بيدور عليه.
الرجل نظر إليّ مباشرة.
سليم؟
أيوة.
قبل ما الملف ده يتفتح، لازم تختار.
أختار إيه؟
تعرف الحقيقة... أو تحتفظ بالوهم الجميل اللي عشت بيه سنة كاملة.
صړخت فيه
كفاية ألغاز! فريدة فين؟!
لأول مرة تغيرت ملامحه.
وبص ليوسف.
ثم قال
السؤال الصح مش فين فريدة؟
الصمت خيّم على المكان.
ثم أكمل
السؤال الصح هو...
مين فريدة أصلًا؟
شعرت كأن أحدهم ضړبني في صدري.
لكن قبل أن أتكلم، فتحت المرأة الملف.
وأخرجت منه صورة قديمة جدًا.
ثم سلمتها لي.
نظرت إليها...
وتجمدت.
الصورة كانت لفريدة فعلًا.
لكن عمرها فيها لا يزيد عن عشر سنوات.
وبجانبها طفلة أخرى.
نسخة طبق الأصل منها.
نفس الوجه.
نفس العينين.
نفس الابتسامة.
توأم.
رفعت رأسي ببطء.
والرجل قال
لأن الحقيقة اللي محدش عرفها...
إن فريدة كان عندها أخت توأم.
وواحدة منهم اختفت من أكتر من عشرين سنة.
أما الثانية...
فهي اللي دخلت حياتك.
نظر الجميع إلى الصورة.
أما أنا فشعرت أن كل ما عرفته عن زوجتي بدأ ينهار قطعة قطعة.
لكن الصدمة الأكبر لم تأتِ بعد.
لأن المرأة فتحت الصفحة التالية من الملف.
وأخرجت شهادة رسمية.
وضعتها أمامي.
وفي خانة الاسم كانت مكتوبة جملة واحدة جعلت الډم يتجمد في عروقي
الاسم الحقيقي لفريدة غير معروف.
وفي أسفل الصفحة...
كان هناك اسم آخر بالكامل.
اسم امرأة لم أسمع به في حياتي.
المرأة التي قيل إنها فريدة...
لم تكن مسجلة بهذا الاسم أصلًا.
وفي اللحظة التي حاولت فيها قراءة الاسم كاملًا...
جاء صوت مألوف جدًا من خلفنا
أخيرًا وصلتوا للجزء الصح من القصة.
التفتنا جميعًا.
وتوقفت أنفاسي.
لأن صاحبة الصوت...
كانت امرأة تشبه فريدة بشكل لا يُصدق التفتُّ ببطء.
قلبي كان بيخبط پعنف لدرجة إني حسيت إن الكل سامعه.
المرأة كانت واقفة عند مدخل السطح.
نفس الطول.
نفس العينين.
نفس ملامح فريدة.
حتى طريقة وقفتها.
للحظة، عقلي رفض يصدق أي تفسير غير واحد.
همست
فريدة...
الدموع نزلت من عيني دون إرادة.
لكن المرأة هزت رأسها ببطء.
لا يا سليم.
تجمدت في مكاني.
إيه؟
أنا مش فريدة.
سكتت لحظة.
ثم قالت
أنا نادين.
نظرت إلى الصورة اللي في الملف.
ثم إليها.
ثم للصورة مرة أخرى.
كانت الطفلة الثانية.
التوأم.
الشخص الذي قيل إنه اختفى منذ أكثر من عشرين سنة.
نادية جلست على الكرسي وكأن ساقيها لم تعودا تحملانها.
أما الرجل صاحب الملف 24 فتنهد وقال
وأخيرًا... بقت كل الأطراف موجودة.
لكن نادين قاطعته فورًا
لا.
ثم نظرت إليّ مباشرة.
لسه أهم شخص مش موجود.
مين؟
أجابت دون تردد
فريدة.
ساد الصمت.
شعرت أن رأسي سينفجر.
يعني إيه؟! من ساعة وإنتوا بتقولوا فريدة ماټت... وبعدين عايشة... وبعدين مش هي... وبعدين في توأم... إيه الحقيقة؟!
نادين أغمضت عينيها.
ثم قالت
الحقيقة إن فريدة موجودة.
تجمد الجميع.
حتى الدكتور شريف رفع رأسه بسرعة.
إنتِ متأكدة؟
أيوة.
فين؟
نظرت نادين ناحية يوسف.
ثم قالت
هي اللي بعتت الرسائل.
أنا وحسام تبادلنا النظرات.
إذًا فريدة هي فعلًا صاحبة الرقم المجهول.
هي صاحبة الصور.
هي صاحبة المكالمات.
لكن السؤال الأكبر ظل قائمًا.
إذا كانت حية...
فلماذا اختفت؟
ولماذا تركت ابنها؟
ولماذا سمحت لنا ندفن قبرًا باسمها؟
نادين أخذت نفسًا عميقًا.
ثم قالت
لأنها كانت مقتنعة إن ظهورها هيقتل ناس.
في تلك اللحظة دوى صوت رسالة جديدة.
لكن هذه المرة لم تصل لهاتفي.
وصلت لهاتف الرجل صاحب الملف 24.
فتحها.
وتغير وجهه فورًا.
مستحيل.
إيه؟
رفع الهاتف أمامنا.
كانت صورة حديثة التُقطت منذ ثوانٍ فقط.
صورة لنا جميعًا فوق السطح.
لكن هذه المرة ظهر فيها شيء لم ننتبه له.
شخص واقف خلف خزان المياه الكبير في آخر السطح.
شخص يراقبنا.
كبرنا الصورة.
ومع كل تكبير كانت الملامح تظهر أكثر.
ثم أكثر.
ثم أكثر.
وفجأة...
شهق الدكتور شريف.
وسقط الهاتف تقريبًا من يد الرجل.
أما نادين فوضعت يدها على فمها.
لأن الشخص المختبئ خلف الخزان...
لم يكن غريبًا.
ولم يكن مجهولًا.
كان شخصًا يفترض أنه ماټ منذ سنوات طويلة.
الشخص الذي بدأت قصته مع فريدة قبل أكثر من عشر سنوات.
والاسم المكتوب في الملف 24 نفسه.
وفي اللحظة التي التفتنا فيها جميعًا نحو خزان المياه...
لم نجد أحدًا هناك.
لكن على الأرض، مكان وقوفه، كانت ورقة واحدة فقط.
ورقة مطوية.
وعليها بخط واضح
لو عايزين الحقيقة كلها... هاتو فريدة بنفسها.
ثم في أسفل الورقة سطر أخير جعل الړعب يتسلل إلى قلوب الجميع
لأن فريدة هي الوحيدة اللي تعرف مين يوسف فعلًا ساد صمت طويل فوق السطح.
كل الأسرار، كل المطاردات، كل الملفات والرسائل، كانت بتلف حوالين سؤال واحد
مين يوسف فعلًا؟
بعد ساعات من التوتر والجدال، وافقت نادين أخيرًا إنها تقول المكان اللي كانت فريدة مستخبية فيه.
وفي صباح اليوم التالي، اتحركنا كلنا للمكان.
بيت قديم معزول على أطراف المدينة.
قلبي كان بيدق پعنف طول الطريق.
مش عارف أنا رايح أقابل مراتي اللي دفنتها بإيديا...
ولا رايح أقابل أكبر كڈبة في حياتي.
وصلنا.
نادين فتحت الباب.
ودخلت تنادي
فريدة... خلاص... انتهى الهروب.
ثواني مرت.
ثم خرجت امرأة من إحدى الغرف.
ولما شفتها...
عرفت فورًا.
كانت فريدة.
حية.
قدامي.
بلحمها وډمها.
وقعت على
تم نسخ الرابط