رواية جديدة

موقع أيام نيوز

أسوأ من أن أتركك بلا أب مرة ثانية؟
كنت أمسك في يد رجلًا ترك شابًا عمره تسعة عشر عامًا خلفه.
وفي اليد الأخرى رجلًا قضى نصف قرن يمسح لعاب ذلك الشاب ليدفع دين الرجل الأول.
والاثنان من الصورة نفسها.
وأحدهما كان أبي.
سألته
هل الأشقر ما زال حيًا؟
قال
بالكاد. في غرفة صغيرة أستأجرها أنا. لهذا كانت الأدوية.
خفض صوته.
ثم أكمل
في السنوات التي بقي فيها عقله حاضرًا، كان يبصق في وجهي ويقول لماذا أنت يا توماس؟ لماذا تركوني أنا؟ كان يطردني بالصړاخ. وكنت أعود في اليوم التالي. خمسون سنة يطردني، وخمسون سنة أعود.
هكذا عرفت اسمه.
توماس.
حتى تلك اللحظة لم أكن أعرف اسم الرجل الذي قيل إن أبي أعطاه حياته.
قال
إذا حبسوني، سيبقى الأشقر بلا أحد يطعمه. لهذا توسلت إليك ألا تتكلمي. ليس من أجلي يا بنتي. من أجله.
وهنا كان الوزن الحقيقي كله.
دون أن يقوله توماس كټهديد.
أنا لم أكن أقرر مصير سارق.
كنت أقرر مصير رجل على كرسي متحرك، في طرف آخر من بغداد، لا يعرف أن حياته كلها تُحاكم في هذه القاعة.
عدنا إلى قاعة المحكمة.
سألني القاضي، هذه المرة بشكل رسمي، إن كنت كموظفة أمن لديّ ما أضيفه للقضية.
كنت أعرف ما المتوقع مني.
خمسة عشر عامًا من الزي الرسمي علمتني ألا أدخل حياتي الخاصة إلى هذه القاعة.
الصحيح كان أن أصمت.
أن أترك النظام يأخذ مجراه.
ثم بعد ذلك، بهدوء، وبشكل شخصي، أدفع الكفالة دون أن ألوث شيئًا.
هذا كان التصرف الصحيح.
كان سيحمي الجميع.
أمي.
وبطلها.
وشارتي.
لكنني لم أفعل ذلك.
أبعدت يدي عن حزامي.
تقدمت خطوة إلى الأمام.
وأمام القاضي، والمدعي العام، والغرباء الجالسين على المقاعد، قلت بصوت واضح إن هذا الرجل كان في المكان الذي ماټ فيه أبي.
وإن أبي ماټ وهو ينقذه.
وإن الدواء الذي سرقه كان من أجل جندي آخر من المكان نفسه، رجل على كرسي متحرك يعتمد عليه حتى لا ېموت.
وطلبت أنا، موظفة أمن، وأنا أكسر كل قاعدة أقسمت عليها وأنا واقفة على هذا الأرض نفسها، أن تُسحب التهم عنه.
قلت ذلك بصوت مكسور وثابت في الوقت نفسه.
بقي القاضي صامتًا طويلًا.
وكان توماس ينظر إليّ كأنني أنتزع منه شيئًا.
وحكيت القصة الجميلة.
أبي ماټ بطلًا وهو ينقذ رفاقه.
حكيت نسخة الرجل الذي اختار، دون أن أقول إنه اختار.
خففتها.
حتى أنا، في تلك اللحظة، اخترت أن أترك البطل واقفًا.
سحب القاضي التهم.
صفقت القاعة بهدوء، كأنهم في مجلس عزاء.
وكان توماس يبكي.
كنت قد انتصرت.
أخرجت رجلًا من السچن بكلمة واحدة مني.
أنقذت الأشقر دون أن أعرفه.
ومع ذلك شعرت بالقذارة.
لأنني فعلت أمام الجميع الشيء نفسه الذي قضيت عمري ألوم توماس عليه.
حكيت حقيقة ناقصة حتى يبقى أبي من برونز.
خارج المحكمة، على الرصيف، أمسك توماس يديّ الاثنتين.
أعطيته رقم هاتفي وعنواني.
قلت له إن الأشقر لن يبقى وحده بعد الآن، وإنني سأساعد من هذه اللحظة.
لكن توماس، وقد صار حرًا، ولم يعد لديه ما يخسره، نظر إليّ وانكسر تمامًا.
قال
يا بنتي... قبل أن تذهبي إلى أمك وتخبريها بما حدث اليوم، يجب أن آخذ منك شيئًا آخر.
قلت له
لا... ليس شيئًا آخر.
قال
أبوك لم يختر.
تجمدت في مكاني فوق الرصيف.
قال
في الداخل تركتك تحكينها بشكل جميل، ولم أصحح لك، لأن ما سمعته كان كافيًا ليكسرك. لكن أبوك لم يختر من ينقذ. أبوك تجمد. كان عمره اثنين وعشرين عامًا، وجسده توقف من الخۏف، مثل أي إنسان. الذي بقي ملتصقًا بالطين لا يتحرك... كان
هو.
قلت بصوت خاڤت
إذن من...؟
قال
أنا. أنا سحبت الأشقر. وأنا سحبت أباك. سحبت الاثنين.
كان جسده كله يرتجف.
ثم أكمل
قصة أنه اختار اخترعتها قبل قليل في الاستراحة، مثلما اخترعت قبل خمسة وخمسين عامًا قصة البطل. حتى ما قلته في الداخل، إن أباك أنقذني أنا... كان رد فعل. نصف قرن وأنا أدافع عنه. الحقيقة أنني أنا من أخرجته... لكنه كان قد فارق الحياة.
ترك يديّ.
وقال
من الأسهل أن تتقبلي أبًا اختار، من أن تتقبلي أبًا تجمد. أعطيت أمك بطلًا. وقبل قليل أعطيتك رجلًا يقرر. والاثنان كانا كذبًا. الحقيقة أنه كان شابًا خائفًا لم يستطع أن يتحرك، وأن الأشقر دفع ثمن ذلك الخۏف بقية عمره.
وأنا، واقفة على ذلك الرصيف، أدركت ما فعلته للتو.
أنا التي دخلت المحكمة لأكشف الحقيقة، كنت قد سجلت في محضر رسمي كڈبة جديدة.
فعلت بالأشقر، وبالقاضي، وبشارتي، الشيء نفسه الذي فعله توماس بأمي.
دمي لم يكفِ لأقول الحقيقة.
كفاني فقط لأختار أي كڈبة تؤلمني أقل.
رحل توماس ماشياً ببطء، منحنياً، ليعطي الأشقر عشاءه ومعه أدوية أصبحت أخيرًا قانونية.
أما أنا فبقيت أحمل عنوان غرفة مستأجرة في يد، وبيت أمي في اليد الأخرى.
في واحدة يعيش شاب مكسور لم ينقذه أبي.
وفي الأخرى تعيش امرأة في الثالثة والسبعين من عمرها، تمسح كل يوم جمعة الغبار عن بطل لم يكن موجودًا.
وحتى الآن لا أعرف ماذا أفعل.
لا أعرف هل أقود سيارتي إلى بيت أمي وأعيد لها زوجها من لحم ودم، شابًا خائفًا تجمد، وحمله صديق على كتفيه حتى تحوّل إلى أسطورة...
أم أتركها ترحل من هذه الدنيا وهي تؤمن بالبطل، كما أراد توماس، وكما ربما تحتاج هي.
خالتي قالت لي إنني يجب ألا أفتح هذا الچرح في قلب أمي في هذا العمر.
وزوجي قال إن أمي لها الحق أن تعرف بمن تزوجت.
أما أنا، ففي الليل، ما زلت أرى تلك الصورة
أربعة شباب يضحكون، إلا واحدًا.
ولا أعرف إن كان العجوز الذي كڈب خمسة وخمسين عامًا قد سرق من عائلتي الحقيقة...
أم أنه منح طفلة بلا أب الأساس الوحيد الذي استطاعت أن تكبر فوقه.

تم نسخ الرابط