رواية جديدة
المحتويات
لم تأتِ أبدًا.
وعندما قلت إن سناء تعرّفت عليّ بمجرد أن رأتني، رفعت إحدى المحققات عينيها.
هل أنت متأكدة؟
قلت
المرأة لا تنسى وجه من حاولت أن تمحوه من الحياة.
أُخذ فحص النسب في اليوم نفسه.
لمسوا قدم غيث الصغيرة فقط، فبكى كأنه تعرض لإهانة كبيرة.
وبكيت أنا أيضًا.
ليس بسبب الفحص.
بل لأن ابني لم يكمل يومه الثاني في الحياة، وكان قد دخل بالفعل في حرب الكبار.
كان الدكتور عدنان حاضرًا.
لكنه لم يحمله.
سألني أولًا
هل أستطيع أن أراه عن قرب؟
ترددت.
ثم أومأت.
اقترب من غيث كما يقترب رجل من مسجد بعد سنوات من فقدان الإيمان.
لم يلمسه.
فقط نظر إلى العلامة تحت أذنه.
قال
سيف كانت لديه مثلها. وأنا أيضًا. وأبي كذلك.
قلت
إذًا ابحث عن ابنك. لكن لا تأتِ لتجعل ابني بديلًا عنه.
ابتلع ألمه.
لن أفعل.
تحرك البحث بسرعة لأن هناك اسمًا كبيرًا، ومالًا، وشعورًا بالذنب.
وهذا أغضبني.
فكرت في كل الأمهات اللواتي ينتظرن شهورًا وسنوات أمام المراكز، يسمعن الجملة نفسها عودي غدًا.
فكرت في صور المفقودين المعلقة على الجدران، قرب المستشفيات، وعلى أعمدة الشوارع، وفي صفحات فيسبوك التي يكتب أهلها من يعرف عنه شيئًا؟
أنا صدّقوني لأن طبيبًا معروفًا بكى داخل غرفة ولادة.
حتى العدالة لها طبقات.
ومع ذلك، استخدمت ما كان أمامي.
بعد يومين، ظهر أول أثر.
بطاقة مصرفية تخص سيف استُخدمت قبل أشهر في بعقۏبة.
ثم شهادة من ممرض سابق في عيادة خاصة قرب أطراف بغداد، قال إنه رأى رجلًا يشبهه، مُدخلًا باسم مختصر س. ك. ع، بلا ملف واضح، وكانوا يقولون إنه مريض اختار العلاج بنفسه.
كان الدكتور عدنان يشيخ مع كل اتصال.
أما سناء فاختفت من بيت العائلة.
لم تبتعد كثيرًا.
أُلقي القبض عليها في شقة بمنطقة المنصور، ومعها حقيبة، ومجوهرات، وأوراق مزورة.
لم تبكِ.
لم تطلب السماح.
سألت فقط عن محاميها.
وهذا وحده قال كل شيء.
عثروا على سيف بعد أسبوع.
لم يكن في العيادة الأولى.
كانوا قد نقلوه إلى مزرعة خارج بغداد عندما شعروا أن المكان صار مكشوفًا.
كان حيًا.
نحيفًا.
مشوشًا.
وفي معصميه آثار قيود قديمة.
وعيناه عينا رجل قضى وقتًا طويلًا يسمع أن ذاكرته تكذب عليه.
عندما اتصل بي الدكتور عدنان، كنت أرضع غيث.
قال بصوت لا يشبه صوته
وجدناه.
اختفى صوتي.
حي؟
حي.
نظرت إلى ابني.
لم أشعر بفرح صافٍ.
شعرت بالخۏف.
لأن الرجل الذي كرهته سبعة أشهر صار ضحېة.
وهذا لا يمحو وحدتي.
لا يعيد الليالي التي بكيت فيها.
لا يدفع عني تعب المطعم.
لكنه غيّر شكل الچرح.
طلب سيف أن يراني بعد ثلاثة أيام.
قلت لا.
ثم قلت نعم.
ذهبت إلى المستشفى وغيث بين ذراعي، وخالتي أمينة إلى جانبي، امرأة قوية من مدينة الصدر لا تخاف الأسماء الكبيرة ولا العائلات المعروفة.
قالت لي قبل أن ندخل
إذا نظر إليكِ بطريقة لا تعجبني، سأرمي عليه حقيبة الطفل.
كدت أبتسم.
كان سيف في غرفة بيضاء.
نحيفًا.
بلحية خفيفة.
وعينين غائرتين.
عندما رآني حاول النهوض.
قال
زهراء
اسمي في فمه جعلني أرتجف.
ليس حبًا فقط.
بل بسبب كل شيء.
قلت
لا تنهض.
نظر إليّ كأنني الشيء الحقيقي الوحيد بعد كابوس طويل.
قال
قالوا لي إنك متِّ.
أجبته
وأنا تركتني حية.
وصلت إليه الجملة.
خفض عينيه.
في تلك الليلة ذهبت إلى بيت أهلي. كنت أريد أن أطلب المساعدة. كنت أنوي العودة إليك في اليوم التالي. أمي قالت لي إن عليّ أن أرتاح أولًا. أعطتني
شيئًا أشربه. وبعدها استيقظت في مكان آخر.
غطى وجهه بيديه.
كانوا يُرونني رسائل. يقولون إنك متِّ. وإن الطفل ماټ. وإنني السبب. لم أعد أعرف ما الحقيقة. أحيانًا كنت أتذكر صوتك وأظن أنني أفقد عقلي.
لم أبكِ.
كنت قد بكيت كثيرًا بسبب غيابه.
قلت
وأنا ظننت أنك تركتني.
قال
أعرف.
قلت بحدة
لا، لا تعرف. لا تعرف معنى أن تدخل امرأة غرفة الولادة وحدها وتكذب وهي تقول إن زوجها سيأتي بعد قليل.
بكى سيف.
لكنه لم يقترب.
وكان ذلك الشيء الصحيح الوحيد الذي فعله.
قال
سامحيني.
قلت
لا أستطيع أن أعطيك
متابعة القراءة