رواية جديدة

موقع أيام نيوز

لكنني أظن أنهم احتجزوه. ربما أعطوه أدوية. ربما وضعوه في عيادة خاصة أو مركز غير قانوني، من تلك الأماكن التي لا يسأل عنها أحد إلا بعد وقوع مصېبة. في العراق هناك عائلات كثيرة تبحث عن أبنائها، وأبواب كثيرة تُغلق من الداخل ولا يعرف أحد ما خلفها.
رفعت الممرضة يدها إلى صدرها پخوف.
أما أنا فضممت ابني أكثر.
هل زوجتك فعلت هذا؟
لم يرد كطبيب.
رد كأب.
أخاف أن تكون فعلت.
في تلك اللحظة، فُتح الباب ودخلت امرأة دون أن تطرق.
أنيقة.
عباءة فاخرة بلون هادئ.
حقيبة جلدية صغيرة.
شعر مرتب بعناية.
ورائحة عطر غالية تشبه الورد البارد والكذب.
لم أحتج أن أسأل من تكون.
نظرت سناء العبيدي أولًا إلى الطبيب.
ثم إليّ.
ثم إلى الطفل.
فتجمد وجهها.
قالت
عدنان ماذا تفعل هنا؟
وقف الطبيب.
أعمل.
ابتسمت بفمها فقط.
أما عيناها فلم تبتسما.
أخبروني أنك مضطرب.
ثم نظرت إليّ.
تغيّر وجهها قليلًا.
لم تكن مفاجأة.
كان تعرّفًا.
همست
أنتِ
شعرت أن صدري امتلأ نارًا.
قلت
إذًا أنت تعرفين من أنا.
عدّلت حقيبتها وقالت ببرود
لا أعرف عمّ تتحدثين.
تأوه الطفل بصوت صغير.
فنزلت عيناها إلى العلامة تحت أذنه.
وفي ثانية واحدة، اختفى اللون من وجهها.
عندها فهمت أن الحقيقة لا تحتاج قاضيًا بعد.
لقد رأيتها ترتجف على وجهها.
قال الدكتور عدنان ببرود لم أسمعه منه من قبل
سناء اخرجي من هذه الغرفة.
قالت وهي تحدق في الطفل
هذا الطفل لا يجب أن يكون هنا.
رد عليها
هذا الطفل حفيدي.
سقطت الجملة في الغرفة كجرس ثقيل.
فتح طفلي عينيه للحظة، كأن العالم منحه اسمًا عائليًا قبل أن يفهم معنى الأسماء.
شدّت سناء على أسنانها.
أنت لا تعرف ذلك.
أعرف. وسأثبته.
نظرت إليّ باحتقار.
كان يجب أن

ترحلي.
قلت بهدوء
رحلت من أماكن كثيرة لكنني لم أرحل عن ابني.
خطت نحوي خطوة.
أنت لا تعرفين في ماذا تورطين نفسك يا بنت.
خرجت الممرضة الكبيرة إلى الممر ونادت بصوت واضح
الأمن.
توقفت سناء.
رفع الدكتور عدنان هاتفه.
سأتصل بالشرطة.
قالت بحدة
لا تكن سخيفًا. ستدمر عائلتك من أجل نادلة؟
ضحكت.
لا أعرف من أين خرجت تلك الضحكة.
كنت قد ولدت قبل دقائق، جسدي متعب، وطفلي على صدري، وهذه المرأة تناديني نادلة كأن العمل لأجل لقمة العيش عار.
قلت لها
يا سيدتي أنا غسلت الصحون حتى يولد حفيدك حيًا. أما أنتِ فأخفيتِ ابنك حتى لا يولد مني. إن كان هناك من دمّر عائلتك، فليس أنا.
رفعت يدها.
لم تصل إليّ.
أمسكها الدكتور عدنان من معصمها.
لا تفكري حتى.
نظرت إليه كأنه خاڼها هو أيضًا.
قالت
كل ما فعلته كان من أجل سيف.
رد عليها
لا. فعلته من أجل اسم العائلة.
وصل الأمن.
خرجت سناء دون أن تصرخ.
لكن قبل أن تعبر الباب، التفتت نحوي وقالت
لن تحصلي على شيء.
نظرت إلى طفلي.
حصلت بالفعل على الشيء الوحيد الذي يهمني.
بعد خروجها، جلس الطبيب على الكرسي.
غطى وجهه بيديه.
كان أكثر رجل هادئ في المستشفى منهارًا أمامي.
ومع ذلك لم أستطع أن أواسيه.
ليس الآن.
ألمه كان حقيقيًا.
لكن ألمي كان حقيقيًا أيضًا.
وألمي حمل تسعة أشهر من الجوع والخۏف والوحدة.
قال بصوت منخفض
يجب أن أقدّم بلاغًا.
قلت
وأنا أيضًا.
نظر إليّ.
زهراء، أريد أن أطلب فحص نسب. ليس لأخذ الطفل منك. بل لحمايتكما. أنتِ وهو.
قلت
اسمه غيث.
أغمض عينيه.
غيث العبيدي الكعبي.
قلت فورًا
الكعبي أولًا.
فتح عينيه.
غيث الكعبي. كما تريدين.
ذلك جعلني أثق به مقدارًا صغيرًا.
صغيرًا جدًا.
في تلك الليلة لم أنم.
غيث نام قليلًا فوق صدري.
كانت الممرضة تساعدني على النهوض، تغيّر الشراشف، وتحضر لي شوربة دافئة وماء.
في الخارج كانت بغداد تلمع تحت مطر خفيف.
من نافذة الغرفة رأيت أضواء الشارع، وسيارات تمر مسرعة، ومدينة كاملة تعيش كأن شيئًا لم يحدث.
نظرت إلى طفلي النائم وهمست
لا تخف يا حبيبي أنا باقية معك.
في اليوم التالي جاء ضباط التحقيق.
لم يدخلوا بضجة.
دخلوا بملفات، وأسئلة، ووجوه مرهقة.
سلّم الدكتور عدنان الرسائل، والصور، ونسخ المحادثات، وبلاغ اختفاء سيف.
أما أنا فحكيت قصتي.
ليلة الحمل.
اختفاء سيف.
الغرفة التي استأجرتها قرب السوق.
المطعم.
المكالمات التي
تم نسخ الرابط