رواية جديدة

موقع أيام نيوز

مټوفية؟ كررتُ الكلمة.
خرجت من فمي بلا قوة.
استند الدكتور عدنان العبيدي إلى طرف السرير، وبدا كأنه كبر عشر سنوات في لحظة واحدة.
كانت الممرضة ما تزال تحمل طفلي بين ذراعيها، تنتظر توجيهًا منه، لكن لأول مرة منذ دخولي غرفة الولادة، لم يكن أحد يعرف ماذا يفعل.
سألته وأنا أحاول أن أرفع رأسي
من قال لك هذا؟
أغلق الطبيب عينيه.
زوجتي.
شعرت أن تعب الولادة كله تحوّل إلى جليد داخل صدري.
زوجتك؟
سناء أم سيف.
بكى الطفل مرة أخرى.
بكاء قوي.
كأنه يطلب صدري، ودفئي، وحقي في أن أكون أول شخص يحميه من هذا العالم.
مددت ذراعي.
أعطوني ابني.
نظرت الممرضة إلى الطبيب.
فقلت بحدة أكبر
أعطوني ابني. مهما كان الذي يحدث بينكم، هو ابني أنا.
وضعته الممرضة فوق صدري.
التصق بي طفلي كأنه يعرفني منذ زمن.
كان جلده دافئًا، ورائحته حلوة، ويداه الصغيرتان تبحثان عني بلهفة.
بكيت بصمت.
ضممته بقوة لم أكن أعرف أنني ما زلت أملكها.
خفض الدكتور عدنان صوته وقال
زهراء أحتاج أن أعرف شيئًا. هل كان سيف يعرف أنك ستنجبين هذا الطفل؟
قلت فورًا
طبعًا كان يعرف. تلك الليلة أخبرته. غادر وهو يقول إنه يحتاج إلى وقت ليفكر.
قال بصوت مكسور
لم يعد إليك لأنه لم يستطع.
نظرت إليه پغضب.
لا تطلب مني أن أشفق عليه. أنا بقيت وحدي. دفعت الإيجار وحدي. كدت أسقط في المطعم من التعب ولم يأتِ أحد ليرفعني. وولدت وحدي.
أطرق رأسه كأن كل كلمة ضړبته في وجهه.
أنتِ محقة. لا أطلب منك الشفقة. أطلب منك خمس دقائق فقط لأشرح لك لماذا ابني مختفٍ منذ سبعة أشهر.
أغلقت الممرضة الكبيرة الباب.
صارت الغرفة أضيق.
أكثر صمتًا.
وأكثر خطۏرة.
في الخارج كانت أصوات العربات الطبية، وخطوات الممرضين، ونداءات الأطباء تتحرك كأن الحياة لا تعرف شيئًا عما يحدث هنا.
أما في الداخل، فكان طفلي يتنفس فوق صدري، ورجل يبكي على ابنه الذي ظننته جبانًا.
قال الدكتور عدنان
في تلك الليلة نفسها، جاء سيف إلى بيتنا في الكرادة مضطربًا. قال لي إنك حامل، وإنه يريد أن يتزوجك رسميًا بأسرع وقت. قلت له أن يهدأ ويفكر جيدًا، ليس لأنك لا تستحقين، بل لأنني رأيته خائفًا ومرتبكًا. سناء سمعت الحديث.
ابتلع ريقه.
تشاجرت معه. هي كانت تريد حياة أخرى له. امرأة أخرى. عائلة أخرى. وأنا خرجت إلى المستشفى بسبب حالة طارئة، وعندما عدت كان سيف قد اختفى.
سألته بمرارة
ولم تبحث عنه؟
امتلأت عيناه بالألم.
بحثت عنه كالمچنون. ذهبت إلى شقته، إلى أصدقائه، إلى مراكز الشرطة، إلى المستشفيات، إلى الطرق الخارجية. وبعدها قالت لي سناء إنها تلقت اتصالًا يخبرها أنك متِّ بسبب مضاعفات الحمل في غرفة مستأجرة، وأن سيف عندما عرف، غادر العراق منهارًا ولا يريد أن يكلم أحدًا.
بقيت أحدق فيه.
وصدّقتها؟
قال بصوت منخفض
حاولت ألا أصدقها. وذهبت أبحث عنك.
تشنج جسدي.
أنت لم تأتِ أبدًا.
ذهبت إلى العنوان الذي أعطتني إياه سناء. غرفة فارغة في منطقة باب الشيخ. الجارة قالت إن فتاة حامل غادرت المكان قبل الفجر. لم تكن تعرف اسمها. وسناء أرَتني رسالة من هاتف سيف مكتوب فيها لا تبحثوا عني. زهراء ماټت بسببي.
شعرت كأن حفرة انفتحت داخل صدري.
أنا لم أسكن في باب الشيخ.
قال وهو يطأطئ رأسه
أعرف الآن.
نظرت إلى ابني.
كانت علامة الهلال الصغيرة تحت أذنه واضحة، هادئة، كأنها توقيع قديم كُتب على جلد جديد.
سألته
أين سيف؟
لم يجب فورًا.
أخرج هاتفه بيدين مرتجفتين.
فتح صورة.
ثم مد الهاتف نحوي.
كان سيف.
أنحف مما أذكر.
لحيته كثيفة.
جالس على مقعد خشبي، ينظر إلى الأرض كأنه لا يعرف أين هو.
قال الدكتور عدنان
هذه الصورة وصلتني قبل أسبوعين من رقم مجهول. ومعها رسالة توقف عن البحث يا دكتور. ابنك حي لكنه لم يعد يتذكر ما خسره.
انقطع نفسي.
هل هو مريض؟
لا أعرف.

تم نسخ الرابط