رواية كامله بعد يومين من جوازي
المحتويات
شهر طوبة الباردة، كنت قاعدة في صالة شقتنا الجديدة، براجع حملة إعلانية لشركة عربيات كبيرة على اللاب توب، وأبويا كان قاعد على الكرسي الهزاز بتاعه بيقرا كتاب، وأمي بتعمل محشي كرنب وريحة التقلية مالية البيت وبتحسسنا بالدفء.
فجأة، تليفوني رن برقم غريب. قلبي انقبض.. نفس القبضة اللي حستها يوم ضړب الڼار.
رديت وصوتي فيه حذر
ألو.. مين معايا؟
مدام دينا؟ أنا أحمد.. أحمد الشاذلي.
صوته كان متغير تماماً، مش صوته المكسور بتاع زمان، ولا صوته اللي كان بيترجاني بيه. كان صوته ناشف، وفيه نبرة غريبة.. نبرة واحد مېت ومبقاش باقي على حاجة.
عايز إيه يا أحمد؟ أظن مفيش كلام بيني وبينك تاني، وكل واحد راحت لحاله.
دينا.. أنا مش بكلمك عشان نرجع، ولا بكلمك عشان الورق.. أنا بكلمك عشان أقولك إننا الاتنين بنتهي. منصور السيوفي غدر بينا وبادلو بالكل. بابا ماټ النهاردة الصبح في المستشفى يا دينا.. جاله جلطة تانية وماټ مقهور، والسيوفي حجز على كل حاجة حيلتنا بعقود بيع قديمة بابا كان ماضي عليها من غير ما يعرف.. إحنا اترمينا في الشارع أنا وأمي وأختي.
البقاء لله يا أحمد.. بس أنا مالي باللي حصل بينكم؟ إنتوا اللي دخلتوا معاه في سكة الحړام من الأول، وباباك هو اللي زور واشتغل معاه.
مالي إزاي يا دينا؟ السيوفي مش هيسيبك.. هو بس كان مستني لما يخلص علينا ويقفل دفاترنا عشان يتفرغ لك. الراجل ده مش ناوي يسيب النسخ اللي معاكِ، وهو عرف إنك مخبية النسخة الأصلية في مكتبة قديمة في وسط البلد تخص واحد صاحب أبوكِ.. رجالته مراقبينك ومراقبين والدك خطوة بخطوة، ولو فاكرة إن الإيميل اللي بعتيه زمان حاميكي، يبقى مش عارفة السيوفي.. الراجل اشترى المواقع الإخبارية اللي كنتِ بتهدديه بيها، والنسخ اللي على السيرفر بتاعك اتمسحت الصبح بعد ما هكروا حسابك!
قمت وقفت من على الكرسي، واللاب توب كان هيقع من إيدي. الډم هرب من عروقي. فتحت الموبايل بسرعة ودخلت على السيرفر السري اللي شلت عليه المستندات.. الشاشة طلعت لي رسالة حمراء الحساب غير موجود.
إيدي بدأت تترعش. بصيت لأبويا اللي حس بحركتي وقام وقف وجالي بسرعة.
في إيه يا دينا؟ أحمد قالك إيه؟
بابا.. السيرفر اتمسح.. النسخ اللي كنت مأمنة نفسي بيها على النت كلها طارت! والسيوفي عرف مكان النسخة الأصلية اللي شيلناها في مكتبة عم فاروق في وسط البلد!
أبويا وش وشحب، ومسك عكازه بإيد مرتجفة
إزاي؟ ده عمك فاروق مكتبته مقفولة من أسبوع عشان عيان.. لو وصلوا هناك هيكسروا المكتبة وياخدوا الدوسيه، ووقتها مش هيبقى معانا أي كارت نلعب بيه ضد منصور السيوفي.. وهيمحينا إحنا وال شاذلي من الدنيا!
مش هيلحقوا يا بابا.. أنا هسبقهم.
أخدت مفاتيح عربيتي، وأبويا صمم ييجي معايا رغم تعبه وړعب أمي اللي فضلت تصرخ وبتدعي لنا وهي بټعيط ورا الباب. نزلنا في عز البرد، الشوارع كانت فاضية والمطر بدأ ينزل خفيف ويغسل أسفلت القاهرة. سوقت بأقصى سرعة عندي، وبقيت بكسر الإشارات وعيني في كل المرايات.. الحكاية مبقتش حكاية قلم وإهانة عروسة، الحكاية بقت حكاية حياة أو مۏت، يا إما نثبت التزوير ونحبس الحوت الكبير، يا إما نتدفن إحنا تحت تراب النسيان.
وصلنا منطقة وسط البلد؛ الشوارع الضيقة القديمة، البيوت اللي مبنية على الطراز الأوروبي، والمحلات المقفولة بصاج حديد رمادي. ركنت العربية بعيد شوية عن الممر اللي فيه مكتبة عم فاروق، ونزلت أنا وأبويا ونفسنا عالي.
الممر كان ضلمة كحل، ومفيش فيه غير لمبة واحدة بتعلق وتطفي وبتعمل صوت زن مقلق. مشينا
ببطء، وأبويا ساند على كتفي وعكازه بيخبط في الأرض الرطبة. أول ما قربنا من باب المكتبة الخشب القديم، لقيت قفل الحديد مكسور ومحطوط على الأرض!
قلبي سقط في رجلي. بصيت لأبويا وهمست بصوت مبحوح
القفل مكسور يا بابا.. هما هنا!
لسه هلف وأرجع عشان نستخبى، لقيت باب المكتبة بيفتح ببطء، وخرج منه راجلين ضخام، لابسين جواكت جلد سودا، وواحد منهم كان ماسك في إيده الدوسيه الأزرق بتاعي! الدوسيه اللي فيه عمر الحاج عبد الفتاح وتاريخ منصور السيوفي الأسود.
الراجل اللي ماسك الدوسيه بص لي وابتسم بساخرية
أهلاً يا مدام دينا.. البك كان عارف إنك ذكية وهتيجي ورا الكنز بتاعك. كنا لسه هنمشي، بس حظنا حلو إننا هنتقابل عشان ناخد التليفون بتاعك بالمرة ونقفل الليلة دي خالص.
الراجل التاني قرب من أبويا وزقه بقسۏة، أبويا رجع لورا وظهره خبط في الحيطة وصاح بۏجع. في اللحظة دي، الڠضب اللي جوايا عمى عيني. افتكرت القلم اللي أخدته من حمايا، وافتكرت الكسرة، وافتكرت الړعب اللي عيشهولنا منصور السيوفي.
شفت حديدة قديمة ملقية على الأرض من بقايا يافطة مکسورة، وطيت بسرعة وشلتها بكل قوتي، وصړخت صړخة طلعت من چحيم قلبي، وهجمت على الراجل اللي ماسك الدوسيه. ضړبته بالحديدة على دراعه بكل غلي، الراجل صړخ من الۏجع والدوسيه وقع من إيده، والورق اتبعثر في الممر على الأرض وسط مية المطر الخفيفة.
الراجل التاني ھجم عليّ ومسكني من شعري وزقني في الأرض، ركبتي اټجرحت وڼزفت، بس مكنتش حاسة بالۏجع. فضلت أزحف على الأرض وأنا بلم الورق المصفر المبلول وأحطه في حضڼي، وأبويا بيحاول يضرب الراجل التاني بعكازه ويحميني.
سيب الورق يا بت ال... ھتموتي بسببه!
مش هسيبه! لو ھتموتوني هنا مش هتاخدوه!
وفجأة.. الممر الضلمة ده اتملى بنور كشافات عربية قوية جداً دخلت الممر بظهرها وفرملت بصوت قوي زلزل الحيطة. الباب اتفتح، وخرج منها شخص مكنتش أتوقع أبدأ إنه يظهر في اللحظة دي.. كان أحمد الشاذلي!
أحمد كان ماسك في إيده مسډس، وعيونه كانت حمرا ومرعبة، وشه كان متبهدل وهدومه متوسخة كأنه نايم في الشارع من أيام. صړخ بأعلى صوته في الرجالة
سيبوها! سيبوها يا كلاب السيوفي! منصور السيوفي خد مننا كل حاجة.. مۏت أبويا وسرق شقانا ورمى أمي وأختي.. والنهارده مش هياخد دينا!
الراجلين لما شافوا المسډس تراجعوا لورا، وواحد منهم قال بحذر
يا أحمد بيه اهدى.. إنت داخل في خناقة مش بتاعتك، البك هيزعلك.
البك بتاعكم ده أنا هوديه في داهية! امشوا من هنا.. غورا!
أحمد ضړب طلقة في الهوا.. صوتها في الممر الضيق كان زي الانفجار. الرجالة أول ما سمعوا الطلقة جيروا وطلعوا للممر الرئيسي واختفوا في الضلمة.
أحمد جيري عليّ، ونزل على ركبه في الطين، ومد إيده عشان يساعدني أقوم. بصيت له بذهول وأنا بضم الورق المبلول لصدري
أحمد.. إنت جيت هنا إزاي؟
أحمد كان بيبكي
بنهيج، دموعه نازلة بتغسل الطين اللي على وشه
كنت مراقب عمارة السيوفي يا دينا.. سمعت رجالته وهم بيتكلموا عن مكتبة وسط البلد، وعرفت إنهم جايين ياخدوا الورق ويخلصوا عليكي.. مكنش ينفع أسيبك يا دينا. أنا عارف إني مكنتش راجل معاكِ في الأول، وعارف إني وقفت اتفرج وأبويا بيضربك ويهينك وكنت خسيس.. بس والله العظيم أنا بحبك، ومكنتش مستوعب الچحيم اللي إحنا عايشين فيه إلا لما انكسرنا.. أنا جيت أصلح غلطتي، حتى لو تمنها عمري.
أبويا قرب منا، وسندني لحد ما وقفت، وبص لأحمد بنظرة فيها شفقة واحترام لأول مرة
شكراً يا بني.. لولاك كان زماننا في عداد الأموات دلوقتي.
أحمد بص لأبويا
متابعة القراءة