رواية جديدة حفيدتي دسّت ورقة في يدي داخل المطار وكتبت كلمة واحدة فقط: "اهربي"... وما اكتشفته بعدها غيّر حياتي كلها!
رفعت نظري نحو زجاج المطار.
حيدر لم يعد يبتسم.
كان واقفًا بلا حركة، ينظر إليّ مباشرة من الجهة الأخرى للباب الأوتوماتيكي. وبجانبه كان يأتي اثنان من رجال أمن المطار، يمشيان بسرعة، بتلك الجدية التي تجعل امرأة مسنّة تبدو مشتبهًا بها قبل أن يوجّهوا لها سؤالًا واحدًا.
لثانية واحدة فكرت أن أركض.
لكن امرأة في الثانية والسبعين لا تركض كما كانت تفعل في ذكرياتها. وفوق ذلك، كان الركض هو بالضبط ما يحتاجه حيدر امرأة كبيرة مرتبكة، خائڤة، صعبة السيطرة.
لذلك فعلت العكس تمامًا.
بقيت ثابتة في مكاني.
أدخلت ورقة مريم داخل ملابسي، ووضعت يدي على حقيبتي، حيث كنت أحتفظ ببطاقتي الشخصية، ونظارتي، ودفتر عناوين صغير كان حيدر يقول دائمًا إنه لم يعد له أي فائدة.
خرج رجال الأمن.
ووصل حيدر خلفهم وهو يتنفس بقوة.
أمي، ماذا تفعلين؟ قالها بين أسنانه ستفوتين الرحلة.
نظر إليّ رجل الأمن الأطول.
خالة، كل شيء بخير؟
أجاب حيدر بدلًا عني.
أمي مرتبكة قليلًا. عندها نوبات نسيان. نحن مسافرون إلى فرنسا للعلاج، لكنها توترت فجأة.
مرتبكة.
ضړبتني هذه الكلمة أكثر مما لو كان قد صړخ في وجهي.
كانت هذه هي المفتاح الذي يريد أن يستخدمه ليغلق عليّ كل الأبواب.
تنفست ببطء.
أنا لست مرتبكة قلت أنا في مطار بغداد الدولي. اسمي هناء السامرائي. وابني يحاول أن يصعدني إلى طائرة ضد رغبتي.
أطلق حيدر ضحكة حزينة، متقنة، كأنها مدرّبة مسبقًا.
أمي، أرجوكِ. لا تفعلي هذا.
أريد التحدث مع شرطة المطار قلت.
تغيّر وجه حيدر قليلًا.
لثانية واحدة فقط.
لكنني رأيت ذلك.
ورآه رجل الأمن أيضًا.
أستاذ سأله رجل الأمن هل السيدة تسافر برغبتها؟
طبعًا. هي فقط خائڤة. ابنتي في الداخل تبكي.
مريم.
طفلتي.
عضّ الخۏف معدتي بقوة.
أريد أن يحضروا حفيدتي قلت لكن من دونه بجانبها.
اقترب حيدر مني أكثر مما ينبغي.
أمي، كفى.
تراجعت خطوة إلى الخلف.
لا تلمسني.
تبادل رجال الأمن النظرات.
ثم تحدث أحدهم عبر جهاز اللاسلكي.
أخذونا إلى غرفة صغيرة قرب قسم الأمن. كان فيها طاولة، وثلاثة كراسٍ، وكاميرا في الزاوية، ورائحة قهوة قديمة أعيد تسخينها أكثر من مرة.
حاول حيدر أن يجلس بجانبي، لكنني طلبت أن يجلس أمامي.
أمي، أنتِ تجعلين كل شيء أسوأ تمتم.
لا. أنا بدأت أفهمه.
عندما أحضروا مريم، كانت تمسك بيد موظفة من المطار. وجهها كان أحمر من البكاء، وحقيبتها المدرسية معلقة على كتف واحد.
نهض حيدر فورًا.
مريم، قولي لجدتك إنكِ...
اختبأت الطفلة خلف الموظفة.
ذلك التصرف غيّر هواء الغرفة كله.
مريم قلت لها بلطف ما هو المربع الأسود؟
نظرت إليّ.
ثم نظرت إلى أبيها.
شدّ حيدر على أسنانه.
لا تملئي رأس الطفلة بأفكارك.
طلب منه رجل الأمن أن يلتزم الصمت.
ابتلعت مريم ريقها.
إنه في بيتكِ يا جدتي.
في بغداد؟
هزّت رأسها.
بجانب باب الغرفة التي كان جدي يضع فيها الأدوات. أبي فتحه في إحدى الليالي. قال إن فيه الشيء الناقص حتى يأخذ كل شيء.
ضړب حيدر الطاولة بيده.
إنها طفلة! لا تعرف ماذا تقول!
بدأت مريم ترتجف.
مددت يدي نحوها.
حبيبتي، ماذا سمعتِ أيضًا؟
أبي كان يتكلم مع امرأة. قال لها إنكِ في فرنسا لن تستطيعي الرجوع. وإن كل شيء هناك سيكون جاهزًا. وبعدها يبيعون ما تبقى.
شعرت وكأن العالم انطفأ من حولي.
الأوراق التي جعلني أوقعها.
المكالمات التي كان يرد عليها بعيدًا عني.
بيع البيت الذي قال إنه مجرد إجراء.
رسومات مريم.
النافذة المشطوبة.
المكان الذي لا يسمحون لأحد بالخروج منه.
وصل ضابط من شرطة المطار بعد دقائق. تحوّل حيدر مرة أخرى إلى الابن القَلِق على أمه. أخرج أوراقًا، وتفويضات، وتقارير طبية، ونسخًا من وكالات.
كل شيء مرتب.
مرتب أكثر من اللازم.
سألني الضابط
ست هناء، هل ترغبين بالسفر اليوم؟
لا.
هل ترغبين أن يدير ابنك أملاكك وأموالك؟
لا.
أغمض حيدر عينيه بضيق.
أمي، أنتِ وقّعتِ.
وقّعت على أوراق قلت لي إنها لتسهيل الدفعات والمعاملات. لم تقل