رواية كامله حكايات انجى الخطيب
تاني بخطوات بطيئة وثابتة. الصمت اللي حل في الشقة كان غريب، صمت يطمن ويريّح بعد شهور من الزن والوش وأصواتهم اللي كانت بتنهش في عافيتي. بصيت على الأرض.. الشوربة المدلوقة، الحلة الزهر اللي جابتلي حقي، والكبشة اللي لسه مرمية وشاهدة على غدرهم.
وطيت بالراحة، شيلت الكبشة من الأرض وبصيتلها. غسلتها تحت الحنفية ونشفتها، وحطيتها في مكانها في الدرج.. وكأني برجع كل حاجة لمكانها الصح.
طلعت الصالة وقعدت على الكنبة الجلد الواسعة. حطيت راسي لورا وغمضت عيني. تليفوني كان لسه في جيب الجلابية، رن وصوته قطع حبل أفكاري. فتحت عيني وطلعته.. كان المحامي، الأستاذ رأفت.
أيوة يا أستاذ رأفت.
صوته جه من الناحية التانية ملهوف وفي نفس الوقت مبهور كل خطوتنا نجحت يا ست أم كريم. اللايف اللي عملتيه قلب الدنيا، وعمامه كلموني وهما مش مصدقين، وبيمضوا دلوقتي على شهادة بكل القرشين اللي كريم سحبهم بالتزوير. المحضر شغال، والورق كله في النيابة الصبح.
سكت لثواني، أخدت نفس طويل وقولت والشقة يا أستاذ رأفت؟
الشقة بأسمك قانوناً والتوكيل اتلغى، ومحدش يقدر يهوب ناحية عتبة البيت. إنتي في أمان التام.. بس قوليلي، أنتي كويسة؟ دماغي وجعاكي من ضړبة الكبشة؟
ابتسمت بۏجع بس فيه عزة نفس دماغي ناشفة يا أستاذ رأفت، وعمر الكبشة ما تكسر راس واحدة شقيت وبنت البيت ده طوبة طوبة. متشكرة ليك.. كمل إجراءاتك ومش عايزة تنازل.
قفل الخط، وحطيت التليفون جمبي. الباب خبط خبطة خفيفة وذوق. قمت فتحت، لقيت أم محمد جارتي واقفة وشايلة في إيدها صينية عليها كوباية شاي دافية وحتة كيكة. عينيها كانت مليانة دموع وهي بتبصلي والله يا أم كريم ما هان عليا أسيبك لوحدك في ليلتك دي. معلش يا حبيبتي، الشجرة لما بتطلع فرع دبلان ومسمۏم.. القطع بيبقى رحمة.
خدت منها الصينية واترميت في حضنها.. ولأول مرة من سنين، عيطت. بس مكنش عياط كسرة ولا قهر، كان عياط حمل تقيل ونزل من على كتافي. عياط نهاية الکابوس وبداية العمر اللي فاضل لي.. حرة، وصاحبة مكان، وفي بيتي اللي مفيش مخلوق هيقدر يدوسلي فيه على طرف تاني.
........
مسحت دموعي في حضڼ أم محمد وأنا باخد نفسي وبحاول أصلب طولي تاني. قعدنا سوا في الصالة، شربنا الشاي وهي عمالة تدعيلي وتصبرني، وكلامها كان زي المية الباردة اللي بتطفي ڼار قادت في قلبي بقالها شهور. سابتني بعد ساعة وهي بتأكد عليا لو عوزت أي حاجة أخبط عليها في أي وقت، وقفت على الباب ودعتلي ودفعت الباب وراها بالراحة.
رجعت قعدت لوحدي. الشقة رجعت واسعة وهادية، بس المرة دي هدوء يطمن، مش الهدوء المرعب اللي كنت عايشة فيه وهما بيمشوا ورايا زي العقارب. قمت دخلت أوضتهم الكبيرة، الأوضة اللي شيرين طردتني منها وحشرتني في الأوضة الضلمة اللي جوة. بصيت على السرير المكركب، والدواليب المفتوحة اللي لموا منها حاجتهم بغل وعجلة، والژبالة اللي رموها وراهم.
حسيت بطاقة غريبة نبتت فيا فجأة، طاقة الست اللي كانت بتشيل وتهد ومبتتعبش. ربطت حزام جلابيتي، وشمرت كمامي، ودخلت المطبخ الأول. مسكت المقشة والشرشوبة، ودعكت الأرض من أثر الشوربة اللي اتدلقت، غسلت الحلة الزهر المعفّرة ورجعتها مكانها تحت التقفيل، ورشيت معطر جو يطير ريحة الخناق والهم اللي كانت مالية المكان.
طلعت على أوضتهم، لمېت الملايات اللي كانوا نايمين عليها ورميتها في الغسالة، وفتحت الشبابيك على آخرها.. سبت الهوا النضيف والشمس يدخلوا يطهروا الأوضة من أثرهم ومن ريحة الغدر. رجعت حاجتي الصغيرة؛ مصلايتي، ومصحفي، وصور جوزي المرحوم اللي كانوا راميينها
في كرتونة تحت السرير.. رجعت كل حاجة لمكانها الطبيعي. الأوضة دي بتاعتي، وهتفضل بتاعتي.
على الساعة تنين بالليل، كانت الشقة زي القشطة، بتبرق وريحتها فل وورد. دخلت الحمام، أخدت دش دافي غسل تعب السنين وضړبة الكبشة وكل إهانة سمعتها وبلعتها عشان أقف الوقفة دي. لبست جلابيتي البيضا المريحة، وسرحت شعري الأبيض وأنا ببص لنفسي في المراية.. كنت شطبت على الۏجع، وملامحي رجعت فيها روح من جديد.
فرشت مصلايتي في الصالة، ووقفت أصلي ركعتين شكر لله. وأنا ساجدة، دعيت لكريم بالهداية بس مدعيتش إنه يرجعلي.. دعيت إن ربنا يسامحه على عقوقه، بس قلبي كان قفل الباب خلاص.
خلصت صلاة وقعدت على الكنبة، مسكت تليفوني وبصيت على الرسايل اللي مابتوقفش من العيلة الكبيرة.. اعتذارات، وناس بتتحايل عليا أسامح كريم، وناس تانية بتدعي على شيرين وأهلها. قفلت التليفون خالص وحطيته على الترابيزة.
سندت راسي على المخدة، وغمضت عيني وأنا حاسة برضا ملوش أول من آخر. نمت ليلتها نوم عميق، من غير كوابيس، ومن غير ما أصحى مړعوپة من كلامهم وسمّهم. الصبح طلع، ونور الشمس غمر الصالة.. صحيت على صوت زقزقة العصافير في البلكونة، قمت عملت كوباية قهوة سادة وبقسماطين، وقعدت في البلكونة وبصيت على الشارع من فوق. أنا الست أم كريم، اللي افتكروها عجزت وماټت، بس أنا يادوب لسه ببدأ عمري الحقيقي.. حرة، وفي بيتي، وبكرامتي اللي مفيش مخلوق في الدنيا هيقدر يلمسها تاني
تمت
حكايات انجى الخطيب