طردوه من البيت وهو يحمل رضيعه بين ذراعيه... وبعد 20 سنة وقف أمام والديه داخل المحكمة فكانت المفاجأة!
ضحكتُ يومها، ظننت أنها واحدة من جملها الغريبة التي كانت تقولها وهي تحرّك قدر الفاصوليا أو ترتب أصص الجهنمية عند باب البيت.
لكنها لم تبتسم.
اقتربت مني، أمسكت وجهي بين يديها الممتلئتين بالعروق، وقالت
تذكّر يا علي. الورقة لا تساوي شيئًا بسبب الحبر الذي عليها. قيمتها بالحقيقة التي تستطيع أن تحملها عندما يبدأ الجميع بالكذب.
لم أفهم كلامها كاملًا في ذلك اليوم.
فهمته بعد سنوات، وأنا أقف أمام والديّ داخل محكمة في بغداد، عندما حاولا أن يأخذا مني البيت الذي تركته لي جدتي، والمبلغ الكبير الذي جمعته وخبأته كما يخبئ الإنسان البذور لأيام القحط.
ماټت جدتي أمينة في صباح بارد من شهر كانون الثاني.
لم تُصدر صوتًا.
لم تتعب أحدًا.
لم تطلب إسعافًا.
فقط نامت على كرسيها الخشبي القديم، وغطاء صوفي فوق ساقيها، وأحمد نائم في الغرفة المجاورة، وقد صار شابًا في السابعة عشرة من عمره، طويلًا ونحيفًا، يحمل عنادي نفسه، وعينيها الطيبتين.
وجدتها وبجانبها فنجان قهوة لم تكمله.
وكان التلفزيون ما زال يعرض برنامج طبخ لا تشاهده أصلًا، لكنها كانت تتركه مفتوحًا حتى لا تشعر أن البيت وحيد جدًا عندما أكون في عملي في الادعاء العام.
ركعت أمامها.
قلت
جدتي.
لمست يدها.
كانت ما تزال دافئة.
ورغم أنني كنت أهيئ نفسي منذ سنوات لخسارتها، لأن الإنسان يعرف أن الجدات لا يبقين إلى الأبد، شعرت أنني عدت فجأة إلى عمر السادسة عشرة، ووقفت من جديد تحت المطر، لا أعرف إلى أين أذهب.
دخل أحمد خلفي.
لم يسأل شيئًا.
رأى وجهي فقط، ففهم.
جلس على الأرض بجانب كرسيها، أمسك يدها الأخرى، وقال
لا يا جدتي... أنتِ بعدك ما علمتيني أسوي دولمة مثل دولمتك.
وهنا انكسرت.
بكينا نحن الاثنان.
ليس مثل الرجال الأقوياء.
بل مثل ما كنا فعلًا
طفلين أنقذتهما امرأة لم تعد موجودة.
كان العزاء في البيت الأصفر القديم في الكاظمية.
جاءت الجارات ومعهن قدور رز، وصواني طعام، وقهوة مرة، وخبز حار. بعضهن رأين أحمد يكبر أمام أعينهن. وبعضهن كن يعرفن جدتي منذ أيام كانت تبيع الكبة والشاي قرب السوق. جاءت امرأة تحمل باقة ورد كبيرة رغم أن المناسبة لم تكن للورد، وقالت إن أمينة كانت دائمًا تحب الأزهار الصاخبة التي تملأ البيت حياة.
والداي لم يحضرا.
ولا أخي.
لم يتصلوا.
لم يرسلوا شيئًا.
لا كلمة.
لا اعتذار.
لا حتى سلام.
كنت أقول لنفسي إنني لا أنتظر منهم شيئًا، لكن ذلك آلمني رغم كل شيء.
أحيانًا الچرح القديم يعرف كيف ېنزف مرة أخرى عندما يلمسه أحد ببرود.
بعد الډفن، اتصل بي كاتب العدل.
ظننت أن الأمر سيكون بسيطًا.
البيت.
ربما بعض المدخرات الصغيرة.
سبحتها.
ماكينة الخياطة.
بعض الحلي القديمة.
لم أتخيل أبدًا أن جدتي كانت تخفي عني حياة مالية كاملة.
فتح الأستاذ عبد الكريم، وهو رجل كبير في السن يرتدي نظارات سميكة ويتحدث بصوت هادئ، ملفًا أزرق.
قال
جدتك كانت امرأة منظمة جدًا يا علي.
قلت
نعم، أعرف هذا.
قال
أكثر مما تتصور.
شرح لي أن جدتي قبل سنوات باعت قطعة أرض ورثتها في أطراف بغداد، بعدما توسعت المنطقة وارتفع سعرها وجاءها مشترون كثر. لم تصرف المال. استثمرته. وكان لديها أيضًا إيجار محلين صغيرين قرب السوق، وكانت تديرهما لسنوات بمساعدة صديقة قديمة لها.
تجمدت في مكاني عندما سمعت الرقم.
نحو مليار دينار عراقي.
لم أستطع الكلام.
أحمد، الجالس بجانبي، فتح عينيه كأن كاتب العدل أخبره أن جدته كانت تملك نصف بغداد.
تمتم
مليار...؟
هز كاتب العدل رأسه.
والبيت أيضًا. كل شيء لك يا علي. وبعدك، يكون لأحمد.
بقيت أنظر إلى الملف الأزرق.
قلت
هذا غير معقول.
قال بهدوء
بل معقول. جدتك أرادت أن لا تحتاج يومًا إلى باب أحد.
ثم أخرج ملفًا آخر.
أقدم.
وأكثر سماكة.
قال
وتركت مرفقات أيضًا.
وعندما رأيت ما بداخله، فهمت معنى الجدار الورقي الذي كانت تبنيه طوال سنوات.
وصولات حفاضات.
مراجعات أطباء