رواية جديدة

موقع أيام نيوز

أن يبني معها عائلة.
وكان يريد أن يأخذنا معها أيضًا.
لكن أمي رفضت.
ليس لأنها لم تكن تحبه.
بل أحبته.
كان ذلك واضحًا في صوتها، حتى وهي تحاول إخفاءه.
قالت إنها خاڤت.
خاڤت أن نشعر يومًا أنها استبدلت أبانا برجل آخر.
أو أن يعاملنا أحد كعبء في بيت ليس بيتنا.
قالت إننا كنا قد خسرنا ما يكفي.
سألتها لمياء بصوت مكسور
وأنتِ ماذا خسرتِ يا ماما؟
ابتسمت أمي ابتسامة صغيرة، كأن السؤال أخجلها.
وقالت
لا شيء يجب أن تدفعوا ثمنه.
عندها نهض حيدر وخرج إلى الحوش.
وجدناه قرب الحنفية القديمة، يبكي كما لم نره يبكي حتى يوم تخرجه من كلية الطب.
قال
أنا درست الطب بسببها ولم أكن أعرف أنني وأنا أكبر، كانت هي تتنازل عن حقها في أن تجد من يضمها آخر النهار.
لم يعرف أحد منا ماذا يقول.
في ذلك العصر لم تكن هناك عتابات.
لكن شيئًا ما تغيّر داخلنا.
لأننا حتى ذلك اليوم كنا نشكر أمي لأنها ربّتنا.
ولأنها علمتنا.
ولأنها حفظت البيت.
لكننا لم نفهم الجزء الأشد صمتًا.
أنها دفنت شبابها أيضًا.
بلا ضجيج.
بلا شكوى.
وبلا أن تطلب منا ذنبًا نحمله بدلًا عنها.
وقبل أن نغادر، أخذت أمي آخر رسالة.
كانت الرسالة الوحيدة التي لم تُفتح.
كان عليها تاريخ قديم يعود إلى أكثر من ثلاثين سنة.
أمسكتها بين أصابعها طويلًا.
ثم أعطتني إياها.
وقالت
اقرئيها عندما لا أكون موجودة.
شعرت ببرد غريب في صدري.
قلت بسرعة
لا تقولي هذا.
مسحت على يدي بأصابعها الخشنة.
وقالت
كل الأمهات يذهبن يومًا يا ابنتي المهم ألا يذهبن قبل أن يعرفن كم أحبهن أبناؤهن.
وضعت الرسالة في حقيبتي.
لكنني لم أستطع التوقف عن التفكير فيها.
وفي تلك الليلة، عندما وصلت إلى بيتي، وضعتها في درج صغير قرب سريري دون أن أفتحها.
ولأول مرة في حياتي، خفت أن أعرف القصة الكاملة للمرأة التي أعطتنا كل شيء.
ټوفيت أمي بعد عامين.
في فجر هادئ.
كان حيدر جالسًا إلى جانبها، والبطانية تغطي قدميها.
لم يكن رحيلًا يشبه القصص الكبيرة.
لم تكن هناك كلمات طويلة.
ولا وداع كامل.
في الليلة السابقة طلبت مهلبية بالحليب.
وعاتبت أحد الأحفاد لأنه كان يركض داخل البيت.
ثم نامت وهي تسمع صوت المطر.
عند الرابعة فجرًا لاحظ حيدر أن تنفسها تغيّر.
أمسك يدها.
ناداها بصوت منخفض.
ثم اتصل بلمياء وسعد وبي.
وعندما وصلنا، كانت أمي ما تزال دافئة.
كان وجهها هادئًا.
أكثر راحة مما رأيناه منذ سنوات طويلة.
اقتربت من قدمها اليسرى.
ولمست للمرة الأخيرة تلك الندبة العريضة التي مررنا عليها كثيرًا وسط زحمة الحياة وكأنها شيء عادي.
بعد الډفن، امتلأ البيت بالناس والقهوة والدعاء والكراسي المستعارة.
جاء الجيران بالأرز والخبز والشموع.
وأرسل
بعض المرضى القدامى من المستشفى باقات ورد.
حدثتنا ممرضة متقاعدة أن أمي، عندما كانت تنظف الممرات، كانت تخبئ نصف طعامها لمريض لا يزوره أحد.
وقال أحد عمال النقالة إنها هي من علمته قراءة تعليمات الأدوية عندما كان بالكاد يعرف جمع الحروف.
كنا نستمع بصمت.
ونكتشف أن حياة أمي خارج بيتنا كانت أكبر بكثير مما تخيلنا.
وفي تلك الليلة، بعد أن غادر الجميع، وضعت لمياء علبة البسكويت فوق الطاولة.
وأخرجت
تم نسخ الرابط