رواية جديدة

موقع أيام نيوز

في ذلك المساء الممطر لم أقل لأمي كل ما كان يدور في داخلي.
لم أستطع.
كان حلقي مخنوقًا، وقدمي ما زالت تلامس تلك الندبة القاسېة التي غيّرت طريقة مشيها إلى الأبد.
نظرت إليّ وأنا أبكي، وكعادتها لم تسأل كثيرًا.
فقط مررت يدها على شعري ببطء، كما كانت تفعل عندما كنت طفلة وترتفع حرارتي في الليل.
قالت لي
خلاص يا ابنتي لا تبكين على أشياء قديمة.
لكنني كنت أعرف أنها لم تكن أشياء قديمة.
كانت أشياء ما زالت حيّة.
كانت هناك.
في كاحلها.
وفي يديها المتعبتين.
وفي ظهرها المنحني.
وفي طريقتها في النهوض حتى وهي لا تملك قوة للنهوض.
بقيت إلى جانبها حتى توقف المطر.
وقبل أن أغادر، طلبت مني أن أفتح الخزانة وأخرج لها بطانية أثقل.
وعندما حرّكت بعض الصناديق، سقطت علبة قديمة من علب البسكويت، صدئة ومربوطة بشريط أحمر.
نهضت أمي فجأة، وكأنها رأت شيئًا لم يكن يجب أن يظهر.
قالت بسرعة
اتركيها مكانها.
لكن صوتها كان مختلفًا.
لم يكن غضبًا.
كان خوفًا.
التقطت العلبة، وشعرت أن وزنها أكبر من أن تكون مليئة بأزرار أو خيوط فقط.
سألتها
ما هذه يا ماما؟
أخفضت عينيها.
أوراق قديمة لا تنفعكم بشيء.
لم ألحّ عليها في تلك اللحظة.
فنحن لم نتعلم يومًا أن ننتزع منها الحقيقة بالقوة.
لكن في تلك الليلة، عندما عدت إلى بيتي، لم أستطع النوم.
وفي اليوم التالي اتصلت بلمياء وسعد وحيدر.
أخبرتهم عن العلبة.
سكت حيدر طويلًا، ثم قال جملة جعلتنا نصمت جميعًا
أنا رأيتها تبكي مع هذه العلبة مرة وظننت أنها ذكريات أبي.
وفي الأسبوع نفسه عدنا نحن الأربعة إلى بيت أمي.
لم نأتِ بصوت عالٍ.
ولا بأسئلة قاسېة.
جئنا بخبز حلو وقهوة والأحفاد، كأي يوم جمعة عائلي.
لكن أمي عندما رأتنا مجتمعين فهمت قبل أن نتكلم.
تنهدت.
وطلبت من الأطفال أن يخرجوا إلى الحوش.
ثم طلبت من حيدر أن يحضر العلبة.
كان داخلها رسائل.
كثيرة.
بعضها اصفرّ من الزمن.
وبعضها مطوي بعناية شديدة، كأنه ما زال يحتفظ بدفء يد من كتبه.
كانت الرسائل من رجل اسمه جاسم العبيدي.
كان معلمًا في قرية قريبة من الحلة، تعرّفت إليه أمي عندما كانت تعمل في المستشفى.
كانت الرسائل الأولى محترمة وبسيطة.
كان يحدثها عن مدرسة صغيرة يعمل فيها، وعن غرفة متواضعة قريبة من شط الحلة، وعن حياة هادئة يمكنها أن ترتاح فيها قليلًا.
ثم بدأت الرسائل تتغير.
لم يعد يطلب حبًا فقط.
بل صار يطلب الإذن أن يساعدها.
أن يقف معها.
أن يتزوجها.
وأن يقبلنا نحن الأربعة كأبنائه.
بدأت لمياء تبكي قبل أن ننهي قراءة الرسالة الثانية.
وغطى سعد فمه بيده.
أما حيدر فبقي ينظر إلى الأرض، كأن أحدًا وضع فوق كتفيه كل السنوات التي حملتها أمي وحدها دون أن نعرف.
أمي لم تبكِ.
بقيت جالسة ويداها فوق ركبتيها.
ثم قالت أخيرًا
كان رجلًا طيبًا طيبًا جدًا.
لم يقل أحد منا شيئًا.
فواصلت الكلام ببطء، وهي تنظر إلى زاوية الطاولة.
أخبرتنا أن جاسم عرض عليها الزواج عندما كان حيدر في السابعة من عمره.
وأنه لم يكن يهتم بالفقر.
ولا بكلام الناس.
ولا بأنها كانت زوجة رجل آخر.
كان يريد

تم نسخ الرابط