قالوا إن ابني سافر إلى أمريكا... لكن الحقيقة كانت على بعد 3 شوارع فقط من منزلي!
المحتويات
أتم العشرين.
عندما ظهرت أول علامة تؤكد الحقيقة، سقطت سحر مغشيًا عليها.
أما أنا فلم أسقط.
ركعت على الأرض، ووضعت جبهتي على التراب.
قلت
سامحني يا ولدي... كنت قريبة منك وبعيدة عنك في الوقت نفسه.
لم يتكلم أحد.
حتى رجال الشرطة خفضوا رؤوسهم.
مع الفجر، أخذوا أبو رائد مكبل اليدين، وهو ما زال يقول إن لديه معارف كبارًا، وإن امرأة تبيع المعجنات لن تستطيع إسقاطه.
لم يكن يعرف أن نساء الأحياء الشعبية لا يُسقطن الظالم فقط.
بل يفضحنه حتى آخر باب.
استيقظت سحر في الفناء، وكان حسين يبكي قربها.
لم يكن الطفل يفهم لماذا ينظر الجميع إلى غرفة أبيه كأنها محراب مكسور.
قال لي
جدتي... هل كان أبي هناك؟
ضممته إلى صدري.
أردت أن أكذب عليه.
أن أخترع له أمريكا أخرى.
وغربة أخرى.
وسماء أخرى تحمل المال والرسائل.
لكن الأكاذيب تطعم الوحوش.
قلت
نعم يا ولدي... كان هناك.
بكى حسين بكاءً صغيرًا مرتبكًا، بكاء طفل لا يعرف بعد حجم الخسارة.
سألني
ولماذا لم يخرج؟
انكسرت سحر عندما سمعت السؤال.
أغمضت عيني.
قلت
لأن أناسًا سيئين منعوه... لكننا وجدناه الآن.
نظر الطفل إلى أمه.
قال
هل كنتِ تعرفين؟
مدت سحر يدها نحوه، لكنه اختبأ خلف عباءتي.
وكانت تلك أقسى عقۏبة لها.
ليست السچن.
ولا صړاخ الناس.
ولا الكاميرات.
بل ظهر ابنها الصغير وهو يبتعد عنها.
في الأيام التالية، امتلأ البيت برجال الأمن، والمحققين، والنساء اللواتي يقرأن الدعاء، والفضوليين الذين كانوا يقولون إنني أبالغ.
شهدت موظفة المصرف.
كان اسمها نور، واعترفت بأنها رأت حركات غريبة لأن خدمات الرافدين كانت ترسل مبالغ شهرية بالرسالة نفسها التي يمليها أبو رائد حتى تبقى الكذبة حية.
وقالت إنها خاطرت لأن أمها علمتها أن لا مال يساوي قبرًا مخفيًا.
ومن خلالها عرفنا أن أبو رائد لم يكن يرسل المال بدافع الندم.
بل بدافع السيطرة.
ما دمت أصدق أن علي في أمريكا، فالبيت سيبقى هادئًا، وسحر ستبقى تحت خوفه، وحسين سيكبر تحت عينه، ولن يسأل أحد عن تلك الليلة.
كان المال كمامة على فمي.
كل تحويل كان يقول ابقي قوية.
لكنه في الحقيقة كان يقول لا تبحثي.
جمعت كل الوصولات في علبة أحذية، وأخذتها إلى مركز الشرطة والجهات المختصة.
حاولوا إتعابي بالأوراق والأختام والانتظار.
لكنني كنت أذهب كل صباح، أحمل حقيبة المعجنات، وعباءتي السوداء، وصورة علي على صدري.
كنت أقول لهم
سأبقى هنا حتى يصبح ابني أثقل من ملفاتكم.
انتشر الخبر.
بدأت أمهات من مناطق أخرى يأتين إلى مكاني.
واحدة تبحث عن ولدها منذ عشر سنوات.
وأخرى تحمل قميصًا في كيس، ما زالت رائحته عالقة فيه.
وثالثة لا تتكلم، فقط تمسك يدي.
وفهمت أن ۏجعي لم يكن بيتًا واحدًا.
كان شارعًا كاملًا.
بل بلدًا كاملًا.
مليئًا بغرف مغلقة، وفي داخل كل غرفة أم ما زالت تنتظر.
كان عزاء علي يوم الأحد.
لم نستطع أن نودع جسدًا كاملًا، لكننا ودّعنا قميصه الأزرق، وحزامه، وحقيقة صار لها اسم أخيرًا.
كأن الحلة كلها مرت أمام التابوت الصغير.
بعضهم بكى من الحزن.
وبعضهم بكى من الخجل.
جاءت سحر في النهاية، ترتدي الأسود، وجهها بلا زينة، ويداها فارغتان.
لم يطردها أحد.
وأنا أيضًا لم أطردها.
ركعت أمام التابوت، وقالت شيئًا لم يسمعه سواي
سامحني يا علي... كنت جبانة.
اقتربت منها.
قلت
نعم، كنتِ جبانة.
رفعت
وجهها، كأنها تنتظر صڤعة.
قلت
لكنك ستعيشين طويلًا بما يكفي لتدفعي لابنك بالحقيقة ما أخذته منه بالخۏف.
وافقت سحر على الشهادة ضد أبو رائد.
ذكرت أسماءً، وتواريخ، وديونًا، وتهديدات، والمكان الذي تخلصوا فيه من محفظة علي.
لم تفعل ذلك شجاعة.
بل لأن حسين توقف عن مناداتها أمي ثلاثة أسابيع كاملة.
أحيانًا يأتي الحب متأخرًا.
لكنه يأتي وهو ېنزف.
حاول أبو رائد استخدام نفوذه.
جاء رجل من معارفه إلى بسطة المعجنات، يلمّح لي أن أترك القضية تهدأ.
وضعت في يده قطعة معجنات ساخنة، وقلت له
إن عدت تهددني، سأكتب اسمك على لافتة أمام مركز الشرطة.
لم يعد.
بعد شهر، أُغلق
متابعة القراءة