دعوني أبقَ بضعة أيام فقط

موقع أيام نيوز

بدأ يدرك النهاية.
لكن يوسف أكمل.
ثم جاء اليوم الذي اضطررت فيه إلى بيع بعض المواشي.
وبعدها اضطررت إلى بيع المزيد.
ثم جاء اليوم الذي فقدت فيه الأرض كلها.
ارتجفت شفتاه.
وقال بصوت بالكاد سمعه الحاج سالم
الأرض التي عاش عليها أبي وجدي.
الأرض التي كنت أظن أنها ستبقى لأبنائي يومًا ما.
ضاعت.
ساد الصمت.
ولم يسمع في المكان سوى أصوات المواشي البعيدة.
ثم أكمل يوسف
بعدها مرضت أمي.
كانت تحاول أن تبدو قوية أمامي.
لكنني كنت أراها تبكي كل ليلة.
وكانت تشعر أن تعب عمر أبي كله ضاع.
ابتلع غصته.
وأكمل
أما أختي فكانت أصغر من أن تفهم ما حدث.
لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا فقط.
أن كل شيء اختفى.
انخفض صوته أكثر.
ومع مرور الوقت بدأت تحملني المسؤولية.
وكنت أحمل نفسي المسؤولية قبلها.
رفع يده ومسح دمعة سقطت رغماً عنه.
وقال
وعندما ټوفيت أمي بعد ذلك بعامين لم تعد أختي قادرة على النظر إلي.
كانت ترى في وجهي سبب كل ما حدث.
وفي آخر مرة رأيتها فيها قالت لي إنها تتمنى لو أن أبي هو من بقي حيًا بدلاً مني.
أغلق عينيه.
وكأن الجملة لا تزال تؤلمه رغم مرور السنوات.
أما الحاج سالم فشعر پألم حقيقي في قلبه.
لأنه رأى أمامه شابًا لم يخسر أرضًا فقط.
بل خسر أسرته كلها.
وقال يوسف
في تلك الليلة غادرت القرية.
وتركت كل شيء خلفي.
ومنذ ذلك الوقت وأنا أتنقل من مكان إلى آخر.
أعمل أيامًا وأرحل أيامًا.
وأحاول أن أقنع نفسي بأن ما حدث لم يكن خطئي كله.
ثم أطلق ضحكة قصيرة خالية من الفرح.
وأضاف
لكنني لم أستطع.
ولهذا عندما خرج القطيع ليلة العاصفة شعرت وكأن الماضي يعود من جديد.
وشعرت أنني سأخسر مكانًا آخر بسبب عجزي.
نظر إليه الحاج سالم طويلًا.
ثم وضع يده على كتفه.
وقال
يا بني
بعض الأخطاء نتعلم منها.
لكن لا يجوز أن نحكم على أعمارنا كلها بسببها.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة شعر يوسف أن أحدًا لا ينظر إليه كمذنب.
بل كإنسان أنهكته الحياة.
لكن بينما كان الحديث يدور بينهما
كان هناك شخص آخر يفكر في المزرعة بطريقة مختلفة تمامًا.
شخص لم يكن يرى فيها ذكريات أو أرض آباء وأجداد.
بل كان يرى فيها صفقة ينتظر إتمامها منذ سنوات.
ولم يكن يعلم أحد أن ذلك الشخص كان يقترب منهم أكثر فأكثر.
مرت عدة أيام بعد ذلك الحديث.
ورغم أن يوسف عاد إلى عمله كعادته، فإن شيئًا ما كان قد تغير في داخله.
فبعد سنوات طويلة قضاها هاربًا من ذكرياته، وجد نفسه للمرة الأولى يروي قصته كاملة لأحد، وكأن الكلمات التي ظل يحملها فوق صدره كل تلك السنوات بدأت تخفف شيئًا من ذلك الحمل الثقيل الذي لازمه منذ مغادرته قريته.
أما الحاج سالم فقد أصبح ينظر إليه بعين مختلفة.
لم يعد يراه مجرد فتى متشرد جاء يبحث عن مأوى.
بل صار يراه شابًا أنهكته الحياة مبكرًا، وخسر أكثر مما ينبغي لإنسان في مثل عمره.
وكانت أم خالد أكثر من شعر بذلك.
فكلما رأته يعمل تحت الشمس الحاړقة أو يحمل الأعلاف الثقيلة مع العمال، كانت تدعو له في سرها أن يعوضه الله خيرًا عما فقده.
وفي إحدى الأمسيات، وبعد صلاة المغرب مباشرة، توقفت سيارة سوداء فاخرة أمام بوابة المزرعة.
لم تكن من السيارات التي يراها أهل القرية كثيرًا.
ولهذا التفتت الأنظار إليها فورًا.
نزل منها رجل في أواخر الخمسينيات.
يرتدي ثوبًا فاخرًا وساعة باهظة الثمن.
ويمشي بثقة من اعتاد أن يحصل على ما يريد.
عرفه الحاج سالم من اللحظة الأولى.
كان فهد المنصور.
أحد أكبر المستثمرين في المنطقة.
ورجلًا اشتهر بشراء الأراضي الزراعية وتحويلها إلى مشاريع تجارية وسياحية.
وقد حاول أكثر من مرة شراء مزرعة آل سالم.
لكن محاولاته كانت تنتهي دائمًا بالفشل.
تقدم الرجل مبتسمًا.
وقال
السلام عليكم يا أبا خالد.
رد الحاج سالم التحية ببرود.
ثم دعاه
إلى
تم نسخ الرابط