وصلتها رسالة من زوجها أثناء دفنه: "لا تثقي بأبنائنا"... وما اكتشفته بعدها هزّ الموصل كلها!
كان ذلك قبل أسابيع من الچنازة... ذات مساء، وصل سجاد وهو يحمل ملفًا بيده.
قال بهدوء مصطنع
يابه، يمه، كنت أفكر بمستقبلكم.
وقف أبو علي مكانه. كان يعرف الدنيا جيدًا، حتى لو لم يكن يلبس بدلة رسمية.
وقال
من يبدأ كلامه بهذه الطريقة، غالبًا لا يحمل شيئًا مريحًا.
تظاهر سجاد بأنه لم يسمع.
بدأ يتحدث عن بيع البيت.
عن استغلال سعره الآن.
عن نقلهما إلى بيت أصغر.
وعن تقديم جزء من الميراث قبل أوانه.
شعرت أمينة بخجل موجع، كأن الكلام لا يُقال أمام أب وأم ما زالا على قيد الحياة.
قالت
هل تطلب منا الميراث ونحن لا نزال أحياء؟
قال سجاد بسرعة
لا تنظري لها هكذا يمه. اعتبريها طريقة لمساعدة الجميع.
وكان علي جالسًا إلى جانبه، فأضاف
أنتم لم تعودوا قادرين على تحمل مسؤولية بيت قديم وكبير.
نظر أبو علي إلى ابنيه بحزن عميق.
وقال
عندما أموت أنا وأمكم، كل ما نملكه سيكون لكم. أما ونحن أحياء، فقراراتنا تبقى قراراتنا.
تلك الليلة، لم يستطع أبو علي النوم.
قال بصوت منخفض
ينظرون إلينا وكأننا متنا بالفعل.
احتضنته أمينة.
وقالت
هؤلاء أبناؤنا.
قال وهو يحدق في الظلام
وقابيل أيضًا كان ابنًا لأحد.
ڠضبت منه يومها لأنه قال تلك الجملة.
أما الآن، وهي واقفة أمام نعشه، تمنت لو أنها أصغت إليه جيدًا.
جاء مۏت أبو علي فجأة.
في صباح يوم ثلاثاء، خرج إلى ورشته كما يفعل دائمًا. كانت أمينة تحضر له طعام الغداء لتأخذه إليه عند الظهر، عندما رن الهاتف.
كان الاتصال من مستشفى قريب في الموصل.
أخبروها أن زوجها دخل بحالة خطېرة.
أخذتها أم سجاد بسيارة أجرة، لأن أمينة لم تكن قادرة حتى على الإمساك بمفاتيح البيت.
وعندما وصلت، كان سجاد وعلي هناك بالفعل.
ذلك التفصيل، الذي لم تسأل عنه في تلك اللحظة بسبب الخۏف، سيجعل ډمها يتجمد لاحقًا.
قال سجاد
وجدناه في الورشة. يبدو أنه تعرض لحاډث بسبب مواد تنظيف أو مذيبات. اختنق، ثم سقط وارتطم رأسه.
كانت عينا علي حمراوين، لكنه لم يكن يبدو مدمَّرًا.
كان يبدو خائفًا من شيء آخر.
دخلت أمينة إلى غرفة العناية المركزة.
كان أبو علي موصولًا بالأجهزة، ووجهه متورمًا، والأنابيب والأسلاك والشاش حوله من كل جانب.
أمسكت بيده.
وقالت
حبيبي، أنا هنا. لا تتركني.
تحركت أصابع أبو علي حركة خفيفة جدًا.
وعندما نطقت اسم سجاد، تشنجت يده.
كان الأمر بسيطًا جدًا.
خفيفًا لدرجة أن أي شخص آخر كان سيقول إنها تخيلت ذلك.
لكن أمينة كانت تعرف تلك اليد.
هذه اليد أمسكت بها في ولاداتها، وفي مرضها، وفي العزاء، وفي ليالي الخۏف، وفي صباحات الأمل.
كان أبو علي يحاول أن يقول لها شيئًا.
خلال يومين، تحدث سجاد وعلي مع الأطباء والإداريين أكثر مما تحدثا مع والدهما.
سمعت أمينة كلمات متفرقة
تأمين.
وثيقة.
مستفيدة.
الورشة.
إجراءات.
قال لها سجاد عصر الأربعاء
يمه، أبي عنده وثيقة تأمين مهمة. وأيضًا تأمين للورشة. لازم نكون مستعدين.
نظرت إليه أمينة وكأنها لا تعرفه.
قالت
أبوك ما زال حيًا.
قال
أنا فقط أقول إن علينا التفكير فيما سيأتي.
قالت بحزم
لا تحدثني عن المال بينما أبوك يقاتل من أجل حياته.
أنزل سجاد عينيه، لكنه لم يبدُ خجلًا.
بدا منزعجًا.
في فجر الجمعة، عند الساعة الرابعة وسبع وثلاثين دقيقة، ماټ أبو علي.
أو هكذا قالوا لها.
لأن الرسالة التي وصلتها في الچنازة لم تكن تقول إنه ما زال يتنفس.
كانت تقول شيئًا أعمق وأقسى
أن الحقيقة لم تُدفن معه.
في تلك الليلة، عادت أمينة إلى بيتها، ورفضت أن تشرب القهوة التي أصر سجاد على تحضيرها لها.
تذكرت الرسالة
لا تأكلي أو تشربي أي شيء يقدمونه لك.
قال سجاد
يمه، لازم تشربين شيئًا.
قالت
بعدين.
لا يصير تبقين هكذا.
قلت بعدين.
شد سجاد فمه بضيق.
أما علي فنظر إلى الأرض.
وعندما غادرا أخيرًا، أغلقت أمينة الباب بالمفتاح، وأسندت خلفه كرسيًا، ثم ذهبت إلى مكتب أبو علي.
كان يحتفظ بأوراقه داخل صندوق معدني أزرق.
هناك