روحت لبيت ابني عشان أديله هدية عيد ميلاده حكايات انجى الخطيب
ما شافت محمد مدت إيدها الصغيرة وقالت بصوت نعسان أوي بابا.. إنت جيت؟ أنا أسفة.. أنا قولت لجدو على العصير، ماما هتعاقبني؟
محمد اترمي في حضنها على السرير وبقى يبوس إيدها ووشها وهو بيبكي بحړقة ويقول لها لا يا قلب بابا، محدش هيقدر يعاقبك تاني أبداً، أنا اللي أسف يا ليلى، أسف إني مكنتش واخد بالي منك.
الدكتور سامح قرب مني ووشوشني الحالة الاستكشافية للبنت مستقرة، والمحاليل اللي علقناها بدأت تنظف ډمها من السمۏم دي، بس هي هتحتاج متابعة نفسية لفترة بعد اللي حصل.
سيبنا ليلى مع الممرضة وروحنا مع الظابط على القسم. أول ما دخلنا أوضة رئيس المباحث، شفنا منة قاعدة على كرسي في الركن، كانت عياطها مڼهار والكلبشات في إيدها، وهدومها مبهدلة ومش قادرة ترفع عينها فينا.
محمد أول ما شافها كان هيتجنن ويجري عليها بس العساكر مسكوه، وزعق بعلو صوته ليه عملتي كده؟! بنتك عملت لك إيه يا شيخة عشان تموتيها بالبطيء؟!
رئيس المباحث خبط على المكتب وقال بحزم اهدوا يا جماعة.. المتهمة اعترفت بكل حاجة في المحضر المبدئي. وبص لمنة وقال لها قولي لجوزك وأبوكي اللي قولتيه هنا.
منة رفعت راسها وهي بتترعش ودموعها مغرقة وشها وقالت بصوت متقطع أنا مكنتش عايزة أموتها والله العظيم! أنا جالي اكتئاب حاد من بعد كورونا ومن القعدة في البيت ومحمد طول الوقت في الشغل ومش حاسس بيا، ليلى شقية وبتزن كتير وأنا مكنتش قادرة أستحمل صوتها ولا طلباتها، كنت عايزة أنام، كنت عايزة أقعد لوحدي في هدوء من غير ما حد يطلب مني حاجة.. الحبوب دي جارتي قالت لي عليها إنها بتهدي الأعصاب، فقولت أدوقها منها عشان تنام بدري وأرتاح، ومع الوقت بقيت أزود الجرعة
لما لقيتها بتصحى شقية تاني.. مكنتش أعرف إنها بتموتها.. أنا أسفة يا محمد سامحني!
محمد بص لها بقرف ودموع وقال لها أسامحك؟ إنتي مش بني آدمة، إنتي وحشة كاسرة، ليلى دي حتة مني ومنك! القانون هو اللي هيحاسبك، وأنا ورقتي هتوصلك وأنتي في سجن القناطر.
رئيس المباحث أمر بأخذ منة على الحجز تمهيداً لعرضها على النيابة الصبح پتهمة الشروع في قتل طفلتها وإعطائها مواد مخدرة ومدرجة جدول بدون وصفة طبية وهتك سلامة جسد الطفلة.
خرجنا من القسم وأنا ساند محمد اللي كان بيمشي كأنه عجوز عنده تمانين سنة. الجو برا كان سقعة والشارع فاضي، بصيت للسما وقولت في سري يا رب، أنا عملت اللي عليا وحميت الشرخ قبل ما المبنى يقع على دماغنا، قوني بقى عشان أقدر أقف جنب ابني وحفيدتي في اللي جاي. ورجعنا المستشفى عشان نفضل جنب ليلى، اللي من اللحظة دي ملهاش في الدنيا دي غيرنا.
عدينا الليلة دي في المستشفى كأنها سنة كاملة، محمد نام على الكرسي اللي جنب سرير ليلى من كتر التعب والهم، وأنا فضلت صاحي باصص لليلى وهي نايمة ونفسها طالع ونازل بانتظام، لأول مرة من شهور تحس بالراحة ومن غير ما يكون في جسمها السمۏم دي، وبقيت أدعي ربنا في سري إن الأيام اللي جاية تعدي على خير.
الصبح شقشق ودخل النور من شباك الأوضة، ودكتور سامح دخل كشف على ليلى وابتسم وقال لنا التحاليل الجديدة طالعة ممتازة، ونسبة المادة في الډم نزلت خالص، تقدروا تخرجوا بيها النهاردة، بس زي ما اتفقنا، لازم تعرضوها على استشاري تعديل سلوك وطب نفسي أطفال عشان نضمن إنها متتأثرش باللي حصل.
شيلنا ليلى ورجعنا بيها على بيتي أنا، مكنش ينفع أبداً ترجع
بيت أبوها وتشوف المطبخ أو الكوباية الموف اللي كانت بتشرب فيها، محمد جه معانا وكان ساكت طول الطريق، باصص من الشباك وكأنه بيفكر في حياته اللي اتهدت في ثانية.
أول ما دخلنا البيت، ليلى جرت على الصالون وقعدت تلعب بالعروسة اللي كانت في الهدية، وضحكتها رجعت تملى المكان تاني، الضحكة الصافية اللي كنت مفتقدها بقالي كتير.
بعد يومين، جالي محمد المطبخ وأنا بعمل شاي، وبص لي وعيونه مليانة حزن وقال بابا.. أنا روحت النيابة النهاردة وحضرت التحقيق مع منة.
سيبت البراد من إيدي وقولت له وإيه اللي حصل يا ابني؟
محمد اتنهد وقال النيابة أمرت بحپسها أربعة أيام على ذمة التحقيق، وجارتها اللي كانت بتجيب لها الشريط اتقبض عليها هي كمان پتهمة الاتجار في مواد مخدرة وجدول، منة في التحقيقات كانت پتبكي وبتقول إنها ضحېة لضغوط الحياة، بس وكيل النيابة واجهها بتقرير المستشفى وبكلام ليلى لما قالت ماما قالت لي ملقولوش عشان هو بيقلق، وده أثبت إنها كانت عارفة ومخبية وعارفة إنها بتعمل حاجة غلط.. القضية هتروح جنايات يا بابا، وهي غالباً هتقعد سنين جوه.
حطيت إيدي على كتفه وقولت له ده عدل ربنا يا محمد، اللي ميرحمش ضناه م يستاهلش يكون حر، إنت دلوقتي لازم تقوى عشان ليلى، البنت ملهاش ذنب في أي حاجة من دي، ولازم نعوضها عن كل يوم عاشت فيه في الړعب ده.
محمد هز رأسه ودموعه نزلت أنا هطلقها يا بابا، وهنقل شغلي هنا في طنطا عشان أفضل جنب ليلى وجنبك، مش هسيبها تغيب عن عيني ثانية واحدة تاني.
خرجنا وقعدنا مع ليلى في الصالون، ومحمد أخدها في حضنه وبدأ يقرأ معاها كتاب من اللي اشتريناهم لها، وأنا وقفت باصص عليهم وحسيت بإن الحمل التقيل اللي كان على صدري بدأ يخف، البيت القديم بتاعي اللي كان ضلمة من يوم ما مراتي ماټت، رجع فيه الروح تاني بسبب ضحكة ليلى، وعرفت إن المهندس الشاطر مش بس اللي بيبني كباري تستحمل، لكن اللي بيقدر يحمي عيلته ويسندها لما الدنيا كلها تتهد فوق دماغهم.
تمت
حكايات انجى الخطيب