سخروا من فتاة حفرت قپرها في الثلج… لكنهم طرقوا بابها باكين حين ضړبت العاصفة
المحتويات
إلى المنحدر تمتد كخرائط من الألم.
لكن إلارا لم تكن تعمل بلا خطة. لقد درست كل صفحة من الرسم الذي تركته لها جدّتها، وأضافت إليه أفكارها الخاصة بعدما راقبت المكان بعينٍ متفحّصة. كانت قد فهمت أن السرّ لا يكمن في الحفر وحده، بل في إدراك كيف تتنفس الأرض، وكيف يتحرك الماء، وكيف يُختزن الدفء.
فحفرت أولاً بميل خفيف نحو المدخل، حتى يجري أي ماء قد يتسرّب إلى الخارج لا إلى الداخل. وكل دلو تراب كانت تخرجه، كانت تكومه على قمة المنحدر، لتصنع حاجزًا إضافيًا في وجه ريح الشمال. أما الأرضية، فقد جعلتها أخفض من المدخل بقدم واحدة، وفرشتها بحصى من قاع الجدول، فصارت سطحًا مستويًا يصرف الماء، ويختزن الدفء كما تختزنه الحجارة الكبيرة تحت الشمس.
وللسقف، قطعت جذوع حور من الغابة القريبة من الجدول، أشجارًا فتية قطر الواحد منها أربع بوصات وطوله ثمانية أقدام، وكانت تجرّها واحدًا واحدًا إلى أعلى التل بحبل تشدّه إلى خصرها. وكان الجهد قاسيًا للغاية. فكل جذع يزن أكثر من ستين رطلاً، والمنحدر شديد. وكانت ساقاها ترتجفان، ويتحوّل تنفّسها إلى لهاث. لكن لم يكن هناك أحد غيرها ليفعل ذلك هي وحدها، والأرض، وصمت البراري الهائل.
وضعت الجذوع متوازية، تفصل بينها ست بوصات، فكوّنت هيكلاً صلبًا يوزّع الثقل بالتساوي. وفوق الجذوع وضعت أغصان صفصاف أنحف، نسجتها كأنها سلّة، ثم مدّت فوقها
قطعة القماش المشمّع الوحيدة التي كانت تملكها، وثبّتها بالحجارة عند الأطراف.
ثم جاءت المرحلة الأهم السقف الحيّ.
راحت إلارا تجوب البراري أيامًا، تقطع كتلًا من العشب بمِجرفتها. ولم تكن تقطع أي عشب، بل العشب المحلي العميق الجذور الذي كان ينبت في الأراضي المرتفعة، حيث تتشابك الجذور في شبكة كثيفة تستطيع حمل وزنها من غير أن ټنهار. كان سُمك كل قطعة ثلاث بوصات، وعرضها اثنتي عشرة بوصة، وطولها ثماني عشرة بوصة، وكان وزن القطعة الواحدة يقارب أربعين رطلاً إذا كانت رطبة.
حملت أكثر من مئتي قطعة، ورفعتها ورتّبتها فوق سقف الجذوع في ثلاث طبقات الأولى بالعشب إلى الأسفل للإحكام، والثانية بالعشب إلى الأعلى كي يتجذّر من جديد، والثالثة مرة أخرى بالعشب إلى الأسفل، فصنعت شطيرة من تراب حيّ ستتحول مع الوقت إلى غطاء أخضر واحد، لا ينفذ منه الماء ولا الريح، وقادر على إبقاء الحرارة في الداخل مستقرة مهما حدث في الخارج.
بلغت سماكة السقف ما يقرب من قدمين، ووزنه أكثر من طنين، لكن جذوع الحور المرنة القوية حملته من غير أن تئن.
أما الواجهة الأمامية، فقد استخدمت فيها إلارا جذوع الحور الأغلظ التي استطاعت العثور عليها، بقطر ست بوصات، غرستها عموديًا كأنها أوتاد حصن. وملأت الفراغات بين الجذوع بخليط اخترعته بنفسها طين من الجدول، وعشب جاف مفروم، وروث بيسون يابس وجدته في البراري. وكان هذا الخليط، حين يجف، يصير صلبًا كالأسمنت، فيسد كل شق وكل ثغرة يمكن للريح أن تنفذ منها.
وفي وسط الواجهة صنعت بابًا من ألواح مهملة كانت قد وجدتها مجروفة مع السيل على ضفة الجدول بعد عاصفة ربيعية. كان بابًا منخفضًا لا يزيد ارتفاعه على خمسة أقدام، يُجبر من يدخل أن ينحني، لكنه كان سميكًا، متينًا، ومختوم الحواف بطبقة أخرى من الطين.
أما المدخنة فكانت أكبر تحدٍّ واجهها.
لم تستطع إلارا شراء طوب أو حديد أو أنابيب معدنية، فارتجلت بما تملكه. بنت موضع الڼار بحجارة من النهر اختارتها بعناية لقدرتها على مقاومة الحرارة، وربطتها بطين ممزوج بالرمل. أما أنبوب خروج الدخان، فصنعته من صفائح كيروسين قديمة كان السيد كارفر قد منحها لها حين رأى إصرارها، فسطحتها ولفّتها وأغلقتها بالطين. وكان الأنبوب يصعد بمحاذاة الجدار الترابي بزاوية خمس وأربعين درجة، ثم يخرج من السقف في الزاوية الخلفية بعيدًا عن الباب حتى لا يعود الدخان إلى الداخل مع الريح.
لم يكن الأمر مثاليًا. كان الدخان يتسرّب من بعض الشقوق في الأيام الأولى، لكن إلارا كانت تسدّها بصبر مرة بعد مرة، حتى أصبحت الڼار تتنفّس بنظافة، وصار الدفء يبقى في الداخل.
بلغت التكلفة الإجمالية لبيتها بضعة دولارات فقط ثمن القماش المشمّع، والمسامير التي ثبّتت بها الجذوع، ومصباح الكيروسين، وكيس الملح الذي حفظت به اللحم الذي كانت تصطاده. أما كل شيء آخر، فقد استخرجته من الأرض، ومن الجدول، ومن عرقها.
وفي الوقت الذي كانت إلارا تبني فيه مأواها، كان بقية المستوطنين في ميلّرتون يبنون بيوتهم، وكانت تبدو بالمقارنة أعمالاً باهرة من مظاهر الحضارة.
فقد شيّد القبطان أوزبورن بيتًا من طابقين بخشب جُلب بالقطارات من مينيسوتا، فيه نوافذ من زجاج حقيقي، وشرفة واسعة، وموقد من حديد مصبوب بلغت كلفته مئةً وخمسين دولارًا. وكان بيته مفخرة البلدة، مرتفعًا معتدًّا، يُرى من كل تلّ.
أما آل بيترسن فبنوا بيتًا أكثر تواضعًا، لكنه متين كذلك، بجدران من جذوع مصقولة جيدًا وسقف من ألواح خشبية. وكانت فيه ستائر على النوافذ، ومدخنة من طوب مستورد تسحب الدخان سحبًا ممتازًا.
أما آل ليندستروم، بثروتهم المتوارثة، فقد كان لهم بيت يبدو كأنه خارج من السويد مطليّ بالأحمر، ذي إطارات بيضاء، وحظيرة أكبر من معظم بيوت البلدة.
وكان الجميع ينظرون إلى مغارة إلارا ويهزون رؤوسهم شفقة.
يا لها من مسكينة! تعمل كالحمار لتبني قپرها بيديها.
ليتها تعود إلى رشدها قبل فوات الأوان.
لكن إلارا لم تكن تصغي، أو لعلها كانت تسمع ولكنها تعلّمت شيئًا لا تعلّمه إلا أقسى أشكال الفقر أن رأي الآخرين لا يمنحك الدفء في الشتاء، وأن الخجل لا يقتلك، لكن البرد يفعل.
وبحلول سبتمبر، كان بيتها تحت الأرض قد اكتمل.
كان عمقه أربعة أمتار، وعرضه ثلاثة أمتار، وارتفاعه مترين ونصف في أعلى نقطة. لم يكن كبيرًا، ولا جميلًا، لكنه كان صلبًا، جافًا، وصامتًا على نحو غريب.
في الداخل، لم يكن لدى إلارا إلا الضروري سرير بدائي من أغصان الصفصاف وفراش رقيق، وطاولة صغيرة من لوح خشبي قائم على صندوقين، وصحنان من الصفيح، وقدر، وسکين، وشوكة، وملعقة، وكتبها الثلاثة. وفي الزاوية الخلفية، بعيدًا عن الڼار، حفرت حفرة صغيرة لتخزين البطاطا واللفت، وعلّقت من السقف لحم أيل مجففًا ملفوفًا بالقماش، كانت قد اصطادته بفخّ مستعار.
وفي أول ليلة نامت فيها داخله، والباب مغلق، والمصباح مضاء، جلست إلارا على سريرها وبكت. لم تبكِ من الحزن، بل من راحة عميقة إلى حدّ أنها آلمتها في الصدر. لأول مرة منذ ۏفاة أبيها، صار فوق رأسها سقف يخصّها وحدها، مكان لا يستطيع أحد أن يطردها منه بيت.
وفي الخارج كانت ريح البراري تهبّ وتهبّ، أما في الداخل فلم يكن يُسمع إلا حفيف الڼار اللطيف في موقد الحجارة.
جاء أول برد في أكتوبر، أبكر مما هو متوقّع. وفي صباح من تلك الأيام، استيقظ مستوطنو ميلّرتون فوجدوا الصقيع على الأعشاب، وطبقة رقيقة من الجليد على دلاء الماء. وكان لون السماء قد صار رماديًا شاحبًا، كأنها بطن سمكة نافقة، وكانت الريح تهبّ بحدّة ټجرح الجلد.
وفي البيوت الخشبية بدأت العائلات تشعل مواقدها لأول مرة في الموسم، فاكتشفت بقلقٍ متزايد أن الاحتفاظ بالدفء أصعب بكثير مما كانت تظن.
فالقبطان أوزبورن، على الرغم من بيته
متابعة القراءة