رواية جديدة
العلامة اللي رسمتها أمي على بطن إيدي ما كانتش مجرد شخبطة بقلم رصاص عادي، دي كانت الوحمة الخاصة جداً اللي موجودة في كتف أبويا الشمال! وحمة شكلها غريب جداً، شبه النجمة المتآكلة، محدش في الدنيا يعرف شكلها ولا تفاصيلها الدقيقة غير أمي.. وأنا!
أنا اللي كنت بشوفها وأنا صغيرة لما أبويا يلبس نص كم في الحر. أمي رسمتها بالملي، وحطت وسطها نقطة سوداء غامقة، ورسمت فوقيها خط عريض زي السهم مشاور على كف إيدي. بصتلي في عيني بنظرة أبرد من التلج، وقالت بصوت واطي جداً يقطع النفس أبوكي مش هو أبوكي يا نسمة.. الراجل اللي عايش معاكم في البيت ده، وعامل فيها الحنين، ما عندهوش الوحمة دي في كتفه! الراجل ده شخص تاني.. ومحدش صدقني لما قولت إنه دخل الأوضة على أختك، عشان أنا الوحيدة اللي عارفة إن اللي جوه البيت ده شبح، مسخ سرق حياة أبوكم!
صړخت.. صړخت بصوت هز جدران المستشفى الكئيبة. الدموع نزلت من عيني زي المطر، الدكاترة والممرضين جُم يجروا على الصوت، افتكروا إن أمي هاجمتني أو جتلها النوبة. مسكوني وأنا بجري لورا، ببعد عنها وأنا جسمي كله بيتكتك من الړعب. أمي كانت واقفة مكانها، ثابتة، بتطالعني بنظرة شفقة وحزن، من غير ما تتحرك خطوة واحدة.
خرجت من المستشفى وأنا مش شايفة قدامي. الشارع كان بيلف بيا، والأفكار بتاكل في دماغي زي السوس. معقولة؟ معقولة الكلام ده؟ أمي مش مچنونة؟ أمي محپوسة بقالها 15 سنة بين أربع حيطان عشان حقيقة مرعبة محدش قدر يستوعبها؟!
طول الطريق للبيت وأنا بحاول أفتكر.. بحاول أراجع شريط حياتي كله من وأنا طفلة عندها 12 سنة. افتكرت الليلة دي بالذات.. الليلة اللي الصړيخ قام فيها. أبويا فعلاً كان في الأوضة، بس هل أنا شفت كتفه؟ هل شفت جسمه؟ الراجل ده طوال السنين اللي فاتت كان دايماً يلبس قمصان بأكمام طويلة، حتى في أحر أيام الصيف! كنا بنقول عليه راجل راقي وبيحب يلبس محزق ومحترم، لكن هل كان بيداري حاجة؟
حتى العادات الصغيرة اللي تتنسي مع الزمن، بدأت تطفو على سطح ذاكرتي زي الچثث الهربانة من القاع. افتكرت إن أبويا قبل الليلة الشؤم دي كان دايماً بيشرب الشاي بسكر زيادة، وبيكتب بإيده الشمال، ودايماً يضحك بصوت عالي يرن في الصالة. بس الراجل اللي عاش معانا ال 15 سنة اللي فاتوا كان بيشرب الشاي مر، بيمسك المعلقة بإيده اليمين، وضحكته مكتومة ومبتخرجش إلا بالعافية! إزاي أنا ومايا والعيلة كلها انطست في عيوننا بالشكل ده؟ إزاي التغييرات الجوهرية دي أخدناها على إنها صدمة نفسية من جنون أمي ورزاناته بعد المأساة؟!
وصلت البيت، كانت الساعة قربت على المغرب. فتحت الباب بإيد بترتعش. كان البيت هادي، وريحة الأكل اللي أبويا طابخه مالية