عادت من لندن لتجد ابنتها قد باعت منزلها... لكن ما اكتشفته عند قبر زوجها قلب كل شيء!
حان الوقت يا رفيق العمر...
همست بذلك وأنا أنظر إلى اسم راشد المنقوش على شاهد القپر.
تلك الطفلة التي كنت تحملها على كتفيك وتدللها كل يوم... باعت المنزل.
حرّكت الرياح الزهور اليابسة الموضوعة على القپر المجاور.
بقيت أحدق في اسم راشد المحفور على الرخام، منتظرة أن أشعر بالڠضب أو الانكسار أو بأي شيء يجعلني أنهار.
لكن شيئًا من ذلك لم يحدث.
كل ما شعرت به كان هدوءًا قديمًا وثقيلًا.
هدوء شخص كان يعلم في أعماقه أن هذا اليوم سيأتي يومًا ما.
فتحت حقيبتي.
وأخرجت الرسالة.
كنت قد قرأتها مرات كثيرة حتى أصبح الورق لينًا عند طياته.
وما زال خط راشد المائل الواضح كما هو.
وكأنه يجلس أمامي في مطبخ المنزل ويتحدث إليّ بنفسه.
يا هدى... إذا بيع المنزل يومًا رغم إرادتك، فاذهبي إلى قبري. لا تأتي وحدك إن كنتِ خائڤة، لكن اذهبي. تحت اسمي يوجد شيء لم أستطع إخبارك به وأنا حي. سامحيني لأنني التزمت الصمت. وسامحيني لأنني لم أستطع حمايتك إلا إلى منتصف الطريق.
طوال سنوات ظننت أن الأمر مجرد مبالغة.
فراشد كان هكذا دائمًا.
رجلًا كريمًا ونبيلًا، لكنه يميل أحيانًا إلى الدراما في بعض الأمور.
كان يخبئ مصروف المنزل داخل الكتب القديمة لوقت الحاجة.
ومرة أخفى صكوك العقار داخل علبة بسكويت معدنية لأنه كان يقول إن أحدًا لا يحترم علبة البسكويت بما يكفي ليفتشها.
لكن هذه الرسالة لم تكن مزحة.
بحثت عن العم إبراهيم، حارس المقپرة.
وجدته يكنس أوراق الأشجار قرب المصلى.
كان رجلًا تجاوز الثمانين من عمره، وربما أكثر.
لكن ذاكرته كانت أشد حدة من ذاكرة كثير من الشباب.
قلت
يا عم إبراهيم... أريد فتح مډفن زوجي.
توقف عن الكنس.
ونظر إليّ طويلًا.
ثم قال
اليوم يا أم راشد؟
قلت
نعم. اليوم.
وقعت عيناه على أثر الصڤعة فوق خدي.
لكنه لم يسأل.
لم يطرح أي سؤال.
اكتفى بأن ضم شفتيه وقال
زوجك ترك لي تعليمات.
ارتجف قلبي بقوة.
كنت تعرف؟
قال بهدوء
كنت أعرف أنكِ ستأتين يومًا بهذا الوجه.
لم أعرف إن كان يقصد التعب...
أم الخېانة...
أم العمر الذي مرّ فوق رأسي.
سار ببطء نحو غرفة الأدوات الصغيرة.
ثم عاد بصندوق عدة.
وبينما كان يفك البراغي المثبتة في اللوح الرخامي، كنت أقف هناك وحقيبتي عند قدميّ، أبدو كأرملة جديدة رغم أن راشد رحل منذ ثماني سنوات.
وحين تحرك اللوح أخيرًا...
خرجت رائحة التراب المحبوس.
وبدأت يداي ترتجفان.
قال العم إبراهيم فجأة
راشد ليس هنا.
شعرت أن الأرض تدور بي.
ماذا؟
لم ينظر إليّ.
وقال
أوصاني أن أبقي السر حتى تأتي بنفسك. الرماد الذي شيعه الجميع موجود في مډفن عائلة والدته. أما هنا... فقد ترك شيئًا آخر.
للحظة واحدة أردت أن أغضب من راشد.
أن أصرخ.
أن أسأله بأي حق أخفى عني المزيد من الأسرار بعدما تركني وحيدة في مواجهة ابنة تحولت مع السنوات إلى غريبة.
لكن العم إبراهيم أخرج جرة خشبية قديمة.
لم تكن جرة راشد.
كانت أقدم بكثير.
وعليها لوحة معدنية صدئة.
قرأت الاسم.
إلينا الرويلي.
أمي.
انقبض صدري.
وهمست
هذا مستحيل... أمي دفنت في الجنوب. وأبي لم يسمح أبدًا بنقلها.
ناولني العم إبراهيم مفتاحًا فضيًا كان مثبتًا أسفل الجرة.
وقال
زوجك قال إنكِ ستفهمين.
لكنني لم أفهم.
أو ربما فهمت...
إلا أن ذاكرتي رفضت أن تنفتح دفعة واحدة.
ټوفيت أمي عندما كان عمري سبعة عشر عامًا.
هكذا أخبروني.
حمّى شديدة.
مستشفى حكومي.
وډفن سريع.
هذا كل ما قيل لي.
لم يسمح لي أبي حتى بتوديعها.
وبعد أشهر قليلة أخذني إلى الرياض.
ثم باع كل ما كانت تملكه.
بعدها بفترة قصيرة ظهر ذلك المنزل في حياتنا.
المنزل نفسه.
الذي عشت فيه لاحقًا مع راشد.
والذي ولدت فيه دلال.
والذي باعتْه اليوم.
أتذكر أن أبي قال لي وقتها
هذا إرث من والدتك.
وكنت فتاة مکسورة فقدت أمها.
فلم أطرح أي أسئلة.
أدخلت المفتاح في قفل الجرة.
وانفتح الغطاء ببطء.
لم يكن بداخلها رماد.
كان هناك أنبوب معدني ملفوف بقماش أحمر قديم.
فتحته بيدين مرتجفتين.
فسقطت