زوجي سافر

موقع أيام نيوز

من بيتي في مصر ويحبسني في بيت الطاعة هنا، هركع وأستسلم وأرجع له ذليلة؟
مسك الأستاذ طارق الورقة، بص فيها بتمعن، وابتسم ابتسامة هادية جداً.. ابتسامة الراجل اللي فاهم شغل القضايا وشايف المصيدة اللي موكله الخصم وقع فيها برجليه.
لف المحامي بتاعي على إبراهيم ومحاميه، وقال بصوت وثق وثابت هز الممر
دعوى طاعة وتزوير عقد بيع؟ برافو يا أستاذ.. موكلك أهدى لنا أكبر هدية جنائية كنا بنحلم بيها!
محامي إبراهيم وشه اتخطف
يعني إيه جنائية؟ العقد موثق ومختوم!
رد الأستاذ طارق ببرود 
العقد المزعوم ده تاريخه المكتوب من سنة بالظبط.. وفي التاريخ ده بالذات، موكلتي المدام سمر كانت مسافرة في مهمة عمل تبع جهة حكومية وموجودة في بورسعيد، وحركة حركة الطيران والبصمة الإلكترونية في المجمعات الحكومية مثبتة باليوم والساعة. ده غير إن التزوير في المحررات الرسمية والعرفية هنا وفي مصر عقوبته السچن المشدد.
بصيت لإبراهيم.. شفت الابتسامة الخبيثة وهي بتسيح من على وشه في ثواني، واللون بيهرب من الملامح كأنه بيتغسل بمية ساقعة.
المحامي كمل المحكمة
أستاذنا.. موكلك طالبها في بيت الطاعة، وهو أصلاً معندوش بيت طاعة مستوفي الشروط الشرعية بعد ما نيفين هربت بفلوس الشقة اللي مأجرينها، ومالك العمارة حرر ضد موكلك محضر إخلاء وإثبات حالة بانتهاء عقد الإيجار من أول الأسبوع! هيقعدها فين في بيت الطاعة؟ في الشارع؟
الموقف تحول لمهزلة إبراهيم هو بطلها المطلق. محاميه سحبه على جنب وبدأ يوشوشه بعصبية ويزعق فيه بصوت واطي، وإبراهيم عينه عليا.. عين واحد بيغرق وشايف القشة الأخيرة بتتكسر في إيده.
دخلنا القاعة قدام القاضي..
وقفت بثبات، والأستاذ طارق قدم الملف الكامل تسجيلات المكالمة الأولى، الرسائل النصية، صور التهديدات بالترحيل، أوراق المحضر بتاع المالك لإخلاء الشقة، وأخيراً طعن بالتزوير على العقد المكتوب ضد شقة مصر، مع طلب التحفظ على إبراهيم وتكليفه بالخضوع للطب الشرعي لمطابقة الخطوط.
القاضي بص في الأوراق، وبعد جلسة مداولة قصيرة.. اصدر قرار هز القاعة
تأجيل قضية الطلاق للضرر لحين فصل النيابة العامة في بلاغ التزوير.
إلزام الزوج بدفع نفقة مؤقتة عاجلة للمطلقة، مع منع الزوج من سفر أي ممتلكات أو التعامل على حساباته البنكية المتبقية لحين البت في المستحقات.
تحويل العقد المطعون فيه للنيابة العامة لفتح تحقيق في واقعة التزوير!
خرجت من المحكمة وأنا حاسة إن الهوا يدخل صدري ينضفه. إبراهيم جري ورايا في الممر، كان بيلهث وشكله يرثى له.. قميصه مش متظبط، شعره منكوش، وعينيه ماليانة دموع وخوف صريح
سمر! سمر وحياة أغلى حاجة عندك استني!
وقفت، ولفت له بكل هدوء.. الأستاذ طارق كان واثق وواقف جنبي.
إبراهيم اتخشب قدامي، وحط إيديه الاثنين على راسه
سمر أنتِ هتحبسيني؟ تزوير إيه وقضايا إيه؟ أنا عملت كده عشان أكسر دماغك وتيجي تعيشي معايا وما تسيبنيش! أنا اټجننت لما لقيت كل حاجة بتضيع مني.. نيفين ضحكت عليا والشركة هتطردني وأنتِ عايزه تسيبيني!
بصيت له بنظرة خاليه تماماً من الكره.. الكره محتاج مشاعر، وأنا مشاعري ناحيته ماټت واتحولت لرماد.
أنا ما حبستكش يا إبراهيم.. أنت اللي حبست نفسك في القرف ده من اليوم اللي طمعت فيه وفكرت إنك تقدر تلعب بيا وبمشاعري. فاكر لما قلت لنيفين طبعاً يا حبيبتي إنتي مراتي ومفيش حد يأخد مكانك؟ أهي الشقة راحت، والفلوس راحت، ونيفين راحت.. وحقك في الدنيا بدأ يدفع ثمنه.
بوس إيدك أتنازلي عن بلاغ التزوير! صړخ وهو بينزل على ركبتيه قدام الناس في ممر المحكمة من كتر الخۏف من السچن أنا مستعد أطلقك حالا ورسمي، وأكتبلك مؤخرك وزيادة، بس بلاش السچن يا سمر! أهلي في مصر مش هيستحملوا الڤضيحة دي!
بصيت له وأنا شايفة راجل مكسور من القاع.. راجل هان عليه عرضه وشرفه وسنين عمره، ولما الدائرة دارت، ما جاش يعتذر بعزة، جه يتوسل بجبن.
رفعت راسي، وقلت له بصوت حاسم أبرد من السيف
الشرع والقانون هما اللي هيحكموا بيننا يا إبراهيم. والورقة اللي زورتها عشان تسرق بيها شقتي في مصر.. هتبقى هي نفس الورقة اللي هتفتح باب سجنك.
سبته واقف على ركبه في الممر، وسحبت نفسي وخرجت للهوا الشديد بره المبنى.
بعد أسبوع واحد بس..
جالي إشعار رسمي من النيابة صدور أمر بضبط وإحضار إبراهيم پتهمة التزوير واستعمال محرر مزور. وفي نفس اليوم، وصلني خبر إن شركة شغل هنا أنهت خدماته تماماً بسباب القضايا والأحكام الصادرة ضده!
قعدت في الأوضة في السكن، فتحت الشنطة، وطلعت الباسبور والدوسيه الأزرق.
التليفون رن.. كان المحامي في مصر
ألف مبروك يا مدام سمر.. المحكمة في مصر أصدرت حكم نهائي بتمكينك الكامل من شقتك، وأبوه اعتذر رسمي في القسم واتنازل عن كل البلاغات الكاذبة ضد أخوكي حاتم خوفاً من قضية التزوير المرفوعة على ابنه بره!
غمضت عيني، وأخدت أعمق نفس أخدته في حياتي من سنتين..
مسكت التليفون، وقطعت تذكرة الطيران للعودة للرجل القوي اللي بيستنيني.. لمصر.
بس قبل ما أقفل الشنطة وأسافر، كان فاضل موقف أخير لازم يتحسم.. موقف المواجهة الأخيرة بيني وبين إبراهيم، المرة دي وهو ورا القضبان، عشان أحط النقطة الأخيرة في كتاب القصة دي وأقفل صفحته للأبد.
الجزء السابع والأخير
وقف الأستاذ طارق قدام باب مركز الشرطة، وتلفت ناحيتي وهو بيعدل نضارته بكل هدوء ومسؤولية
مدام سمر.. متأكدة إنك عايزة تقابليه قبل ما تتحركي على المطار؟ المواجهة دي مالهاش لازمة قانونية، الحقوق خلاص استرديناها بالكامل، وأمر طلاقك للضرر هيصدر غيابياً أو حضورياً بقرار المحكمة.
مسكت يد شنطة السفر الصغيرة اللي معايا، وبصيت للمبنى الجاهِم قدامي بثبات مشبهتش بيه نفسي في أي يوم فات
لازم أشوفه يا متر.. مش عشان أشمَت فيه، ولا عشان أسمع منه اعتذار مالوش قيمة.. لازم أشوفه عشان أحط النقطة الأخيرة بنفسي، وأخرج من البلد دي وأنا قافلة الصفحة دي للابد ومفيش جوه قلبي غير الهدوء.
هز رأسه بتفهم ودخلنا.
المكان كان حار، وريحة الأوراق والمطهرات مالية الممرات الضيقة. قعدت على كرسي خشب في أوضة الزيارة المغلقة، والأستاذ طارق وقف عند الباب. بعد دقائق قليلة.. اتفتح الباب الحديد، ودخل إبراهيم.
المنظر كان صاډم.. الراجل اللي كنت شايفاه من أسبوعين بس بكامل أناقته وثقته، واقف دلوقتي بهدوم مجعدة، وشه شاحب، وتحت عينيه سواد مرعب، وإيديه متكلبشة بالحديد قدامه. عينيه كانت زاغية وفيها انكسار وذل لا يمكن يوصف.
أول ما شافني قعد قصادي على الترابيزة الخشبية.. حاول يرفع إيديه المتكلبشة يغطي بيها وشه من الخجل، وصوته خرج مبشوح
ومكسور
سمر.. جيتي؟ جيتي عشان تشوفي النهاية اللي وصلتيها لجوزك؟
بصيت له بكل هدوء، وقلت بنبرة هادية ومجردة تماماً من أي انفعال
أنا ما وصلتكش لحاجة يا إبراهيم.. أنت اللي مشيت بنفسك في الطريق ده خطوة بخطوة. من أول يوم فكرت فيه إن الغربة تبرر الخېانة، لحد اليوم اللي زورت فيه إمضتي عشان تسرق بيتي في مصر.
دمعة نزلت من عينيه، وبدأ يهز رأسه بحسرة
أنا اتعميت يا سمر.. والله اتعميت. نيفين ضحكت عليا ومسكت عليا زلة، ولما لقيت كل حاجة بتهرب مني، الشيطان دخل بيننا وزقني للتزوير عشان أضغط عليكِ وترجعيلي. أنا دلوقتي اترفدت من الشغل، الشقة راحت، الفلوس اتسرقت، والشركة رفعت عليا قضايا بالشكايات المکسورة، وقضية التزوير دي ممكن تحبسني هنا سنتين وتتسبب
في ترحيلي بفيشة سودة!
رفع إيديه بالكلبشات وبيترجاني
بوس إيدك يا سمر.. أتنازلي عن قضية التزوير بس! سيبيني أرجع مصر أعيش بين أهلي حتى لو مفلس ومكسور، بلاش السچن والغربة والتخشيبة دي! اعتبريها حسنة.. اعتبريها عشان خاطر أيامنا الحلوة زمان!
ابتسمت ابتسامة باهتة وخفيفة، ابتسامة الست اللي أدركت حقيقة الشخص اللي عاشت معاه في وهم
أيامنا الحلوة؟ أنت سبت فيها حاجة حلوة يا إبراهيم؟ أنت قټلت كل ذكرة جميلة يوم ما سمعتك بودني بتقول لغيري إنتي مراتي وحبيبتي ومفيش حد يأخد مكانك. أنت ما فكرتش في أيامي الحلوة ولا في صبري سنتين وأنا بطفح الډم عشان أعملك قيمة وسند. أنت فكرت في نفسك وبس.. والنهاردة، القانون هو اللي بيفكر في حقك.
يعني مش هتتنازلي؟ سأل وهو بينظر لي بذهول وعينين ماليانة ړعب.
وقفُت من على الكرسي، وعدّلت الشال اللي على كتفي، وبصيت له للآخر مرة في عينه
التنازل معناه إني بقرّ إنك كنت صح، وإني أستاهل الإهانة والسړقة. أنا خدت حقي بكرامتي والقانون.. الشقة في مصر رجعت لأهلها، وحق حاتم أخويا رجع، ومؤخري ومستحقاتي المحكمة حكمت بيهم. أما السچن والورطة اللي أنت فيها، فدي مش اڼتقام مني.. دي نتيجتك الطبيعية اللي زرعتها بإيدك. ربنا يمهل ولا يهمل يا إبراهيم.
التفتّ واديت له ضهري..
صړخ بصوت هز الأوضة وهو بيبكي بكاء هيستيري والحديد بيرن في إيده
سمر! أرجوكي ما تمشيش! سمر سامحيني يا سمر!
ما بصلتوش ولا خطوة لورا. مشيت بخطوات ثابته وواثقة باتجاه الباب، وخرجت للهوا المفتوح بره مركز الشرطة. الأستاذ طارق كان مستنيني بابتسامة احترام
كده ملفك اتأفل تماماً يا مدام سمر.. وباسبورك وتذكرتك معاكي، والمطار مستني.
شكورته من كل قلبي، وركبت عربية التاكسي المتجهة للمطار.
طول الطريق للمطار، كنت بص على الشوارع المباني اللي كانت في يوم من الأيام حلم بالنسبة لي، الحلم اللي تحول لكابوس، والکابوس اللي انتهى بصلابة وعزة نفس.
وصلت المطار.. خلصت إجراءات الجوازات بلمسة واحدة على البصمة الإلكترونية، وقعدت في صالة الانتظار مستنية الإعلان عن الطيارة المتجهة للقاهرة.
فتحت التليفون.. لقيت رسالة من أخويا حاتم
البيت منور ومستنيكي يا سمر.. والشقة اتفتحت ورجعت بحكم المحكمة باسمك، وأمي بتدعيلك في كل صلاة.
قفلت التليفون وابتسمت.. ابتسامة حقيقية طالعة من چروح طابت بعد ما اتطهرت بالحق.
أعلن الصوت الداخلي عن بدء صعود ركاب الرحلة متجهة إلى القاهرة..
قمت، مسكت شنطتي بإيد ثابتة وقوية، ومشت في ممر الطيارة.
سبت بره مصر الخېانة، والغدر، والضعف، وإبراهيم وكل آلامه.. ورجعت لبلدي وأهلي، مش مکسورة ولا ضحېة، بل ست خرجت من الڼار أشد وأقوى، وعرفت إن الكرامة أهم ألف مرة من ظل راجل ما يصونش الأمانة.
تمت.

تم نسخ الرابط