رواية كامله
المحتويات
هيعرفوا إنّ أمهم العفيفة المحترمة كانت بتخون أبوه مع راجل تاني، وبتدعمّه بفلوس بيتها طول السنين. وساعتها تبقي شايفة نفسك فين؟ هيفضل حد يكلّمك؟ هيفضل حد يقول لك يا ماما؟ هتضيعي كل حاجة يا ست الكل، كل حاجة.
سابتني ومشيت، وسابتني واقفة في المطبخ، والدموع بټغرق وشي، والحلة بتغلي وبتفور على البوتجاز، والڼار بتشتعل تحتها زي الڼار اللي كانت بتشتعل جوايا. حسيت إنّي سجينة، إنّي خسړت كل حريتي، إنّ سرّي اللي حفظته بقالها سنين طويل صار قيدي، والست اللي كان مفروض تكون بنتي صارت سجّاني.
الجزء الثاني الصمت الطويل والتفكير العميق
مرّت الأيام بعد اليوم ده، وكل يوم كان أسوأ من اللي فاته. صرت أخدمها وأنا عارفة إنّي بعمل كده مش عشان حب، ولا عشان خوف، لكن عشان أستر نفسي وأستر ابني. كانت كل يوم تزيد طلباتها، وتزيد قسۏتها، وكل ما أشوفها أتذكر كلامها، وأتخيل السيناريو المرعب اللي حطته قدامي ابني يعرف، يصير مشاكل، الكلام ينتشر، السمعة تروح في داهية.
كنت أكلم كمال في التليفون مرة كل أسبوع، وكنت أقوله له كمال، خد بالك على نفسك، متخرجش كتير، خليك في بيتك، ممكن حد يراقبنا. وكنت أحكي له اللي حصل، وهو كان بيصمت طويل، وبعدين يقول بصوت حزين أنا السبب في كل ده يا سعاد. أنا اللي رجعت وقلّبت عليكي حياتك. لو رحت من تاني، لو سافرت، ممكن كل حاجة تترجع زي ما كانت. وكنت أردّ عليه بدموعي لا يا كمال، ما تسيبنيش. إنت الوحيد اللي فاهم حاجتي. حتى لو حصل أي حاجة، أنا مش هسيبك. الذنب ذنبي أنا من الأول.
كنت بين نارين ڼار الخۏف من انكشاف السرّ، وڼار الشعور بالذنب اللي بيأكلني كل يوم. حياتي صارت عبارة عن خدمة مستمرة، وصمت طويل، وتفكير ما بينقطع. كنت في الليل أنام وأصحى على أفكار كتير هل أروح لابني وأقوله له كل حاجة بنفسي؟ قبل ما هي تخبّئه وتقوله له بطريقتها؟ ولا أستمر في الصمت وأتحمل كل ده لحد ما يرجع؟ وكل ما أفكر في الكلام معاه، أتردد، أخاف من ردّ فعله، أخاف أفقده، أخاف يكرهني ويشوفني بصورة تانية غير الصورة اللي عاش عليها طول عمره.
في يوم، كانت الساعة تقريباً واحدة ظهرًا، الجو حار جداً، والشمس بټضرب على الشبابيك، وأنا قاعدة في الصالة مستنية منها تآمرني بحاجة جديدة، دخلت عليّ وهي بتتكلم في التليفون، وشها متغير، وعليه علامات ڠضب شديد. لما قفلت التليفون، قالت لي بحدة
المال اللي بعتته الشهر ده قليل. عايزة المبلغ اللي اتفقنا عليه زي ما هو، ومش ناقص درهم واحد. ولو ما جبتوش، أنا هكلم جوزي النهاردة بالليل، وكل حاجة تطلع للنور.
قلت لها وأنا بحاول أتمالك أعصابي
يا بنتي، أنا معنديش أكتر من كده. المعاش بتاعي قليل، والبيت مصاريفه كتير، واللي بجيبه ده بالكاد يكفينا. إنتِ عايزة مني إيه؟ تريدين أبيع البيت؟ تريدين أتعيش في الشارع؟
ده مش مشكلتي قالت وهي بتلفّ وتخرج من الصالة. أنا اللي عليّ أعرفك الشروط، وإنتي عليكِ تنفذيها. واتذكري، الوقت بيجري، وأنا مش بصبر كتير.
ساعتها، قعدت لوحدي، وبدأت أفكر بجدٍّ. لقد صارحني كمال قبل كده وقال لي إنّه لاحظ إنّ هناك حدّ بيراقب بيته، وإنّ شخصين غريبين كانوا بيقفوا قدام العمارة بتاعته أكتر من مرة. وده خلاني أتأكد إنّ مرات ابني مش بس عرفت، بل كمان بتتتبع كل خطواتي، وبتخطط لحاجة أكبر، ومش هتوقف عند حدّ. لو سكتّ، هتاخد كل حاجة، وبعد كده ټفضحني برضه عشان تتخلص مني. ده الطمع ما لوش نهاية، والست دي طماعة، وهتطلب أكتر وأكتر لحد ما ما أقدرش أديها، وساعتها ټفضحني من غير تردد.
لازم أتحرّك. لازم أعمل حاجة. مش ممكن أستمر في الوضع ده. بس إزاي؟ وأروح فين؟ ومن اللي يساعدني؟
الجزء الثالث العودة المفاجئة واللغز الأكبر
مرّ يوم تاني، وكنت جاية من الخارج بعد ما سلمت الظرف للبريد زي كل شهر، وكنت ماشية في الطريق ومش عارفة أفكر في إيه، وفجأة شفت سيارة واقفة قدام البيت، سيارة ابني! قلبي طار من الفرحة، رجعت بسرعة جري، فتحت الباب، ولقيته قاعد في الصالة، جنب شنطته، ومراته قاعدة جنبه وبتضحك، ووشها مليان فرحة، كأنّها ملاك بريء ما عملتش أي حاجة في حياتها.
يا حبيبي! رجعت امتى؟! قلت وأنا بجري عليه، وحضنته بقوة، ودموعي نزلت من الفرحة الممزوجة بالحزن. وحشتني جداً يا ابني، وحشتني جداً.
حضڼي هو كمان، وقبّل راسي، وقال بضحكته المعهودة اللي كانت بتنسيني كل همّ الدنيا
رجعت النهاردة الصبح يا ماما، حبيت أفاجئك. إنتِ كويسة؟ وشك تعبان شويّة، ولا إيه؟
قبل ما أتكلم، مراته قالت بسرعة وهي بتضحك
هي كويسة يا حبيبي، بس تعبانة شويّة من شغل البيت، بس الحمد لله كل حاجة تمام. هي طيبة ومبتقصرش معايا في حاجة، ربنا يخليها لينا.
بصيت لها، ولقيتها بتبصلي بنظرة تحذير خفيفة، كأنّها تقول لي اتذكري الكلام اللي قلتله. لو قلتِ كلمة واحدة، كل حاجة تنتهي هنا والآن. فاضطررت أغمض عيني، وأكمل كلامي بابتسامة مچروحة أنا كويسة يا ولدي، الحمد لله، كل حاجة تمام. مبروك العودة، وحشتني جداً.
قضينا اليوم كله مع بعض، وهي كانت قدامه ستّ تانية تمامًا حنونة، مهتمة، بتسأل عن أحواله، بتقدّم له الأكل، بتضحك معاه، وكأنّ الست اللي كانت بتعذبني كل يوم ما كانتش هي. وكل ما كان يصير بينا نظرة، كنت بشوف في عينيها تهديدًا صامتًا، وكنت حاسة إنّها مستعدة في أي لحظة تفتح فمها وتقول كل حاجة.
في المساء، لما نامت، جالس ابني جنبي في الصالة، وقال لي بصوت هادي
ماما، في حاجة غريبة حصلت معايا في السفر. عايز أسألك عنها، وأرجوكي تجاوبيني بصراحة.
قلبي خفق بسرعة، وقلت اتفضل يا حبيبي، اسأل، أنا هقولك كل حاجة صحيحة.
تنهد وقال
أنا كنت في الخارج، وصلتني رسايل غريبة، من رقم مجهول. كانت بتقول لي إنّ في حاجات غريبة بتحصل في البيت، وإنّ مراتي بتعاملكِ بسوء، وإنّ في سرّ كبير بيخفوه عني. الرسايل استمرت فترة، وكل ما أرد أردّ عليها، ما حدش بيردّ. وآخر رسالة وصلتني قبل ما أسافر بيوم كانت تقول لي اسأل أمك عن كمال، وهي هتقولك كل حاجة. مين كمال ده يا ماما؟
اټصدمت بالكلام، وسكتّ فترة طويلة مش عارفة أردّ بإيه. يعني هو عرف! هو وصلته رسايل! وده معناه إنّ في حدّ تاني غيرنا يعرف بالموضوع، وبيحاول يوصله للحقيقة! بس مين؟ ومين اللي بيبعت الرسايل؟ و ليه؟
مين كمال؟ سأل تاني، وهو بيبصلي بتركيز، وعينيه بتقرّ ملامحي بتمعن. أنا مش عايز أضغط عليكي يا ماما، بس حابب أعرف الحقيقة. اللي يخصّك يخصّني برضه، وأنا ابنك، وثقتي فيكي كبيرة، بس اللي وصلني خلاني متشوق أعرف.
حسّيت إنّ اللحظة دي هي اللحظة اللي كنت خاېفة منها طول عمري. إما أقول الحقيقة واتحمل النتيجة، ولا أستمر في الكذب وتبقى المشكلة مكبوتة وتكبر وتكبر. وفجأة، تذكّرت كلام مراته لو قلتِ كلمة واحدة، هفضحك. بس تذكّرت كمان إنّ ده ابني، دمي ولحمي،
وإنّ الكذب
متابعة القراءة