سند اخواتى حكايات بسمه
المحتويات
مقعدي بهدوء شديد. لم أرفع صوتي، ولم أضرب بيدي على الطاولة. نظرت إلى أمي التي كانت تطالعني بنظرة تجمع بين الټهديد والاستجداء الصامت، ثم نظرت إلى سارة التي غطت وجهها بيديها وبدأت تجهش بالبكاء، لا من الندم، بل من ڤضيحة انكشاف المستور أمام العائلة الكبيرة بأكملها.
يا خالي... يا جماعة...
قلت بصوت منخفض لكنه وصل لكل زاوية في الغرفة، وجعل الحاضرين ينكمشون في مقاعدهم
أنا مكنتش ناوي أفتح سيرة ولا أكدر يوم ميلاد أمي. بس دام الكلام خرج من بيت الجدّة واتزرع في دماغ الأطفال، يبقى لازم نحط النقط على الحروف نهائيًا، عشان مركب العيلة ده ما يغرقش بينا كلنا.
أمي انتفضت من مكانها، ووجهها يحتقن بالډماء، وقالت بصوت يقطر بالسم
عارف يا ولاد بطني! بقى بتبيع أمك عشان خاطر الست هانم مراتك؟ داسوا على شرفك وكلمتك عشان طنط الهانم قاعدة حاطة رجل على رجل!
محدش داس على كلمتي يا أمي، ولا مراتي حطت رجل على رجل، دي أجدع وأصبر ست في الدنيا، واستحملت اللي ما جبلهاش جبل!
رددت بقوة جعلت أمي تتراجع خطوة للخلف من شدة الصدمة، فهي لم تكن تتوقع مني هذا الثبات أبدًا. طوال حياتي كنت سند الإخوات، الولد المطيع الذي لا يغضب أمه قط، لكنها لم تكن تدرك أن السند لا يعني بحال من الأحوال أن تُهدم بيته فوق رأسه إرضاءً لغرور أخته أو تسلطها.
سحبت يد فاطمة التي كانت تقف جواري ترتجف، لا من الخۏف، بل من ثقل الموقف وهول المفاجأة، وخرجت بها من منزل أمي وسط صرخات سارة وشتائم أمي التي لم تتوقف حتى أغلقنا باب الشقة وراءنا.
الفصل الثاني جذور الأزمة وحسابات الطفولة
في سيارتي، وأثناء طريق العودة إلى بيتنا
الحقيقي، بيتنا نحن، الذي
أصبح طاهراً بكرامته المصانة، عمّ الصمت لفترة طويلة. فاطمة كانت تنظر إلى الشارع من زجاج النوافذ، والدموع تنحدر في سكون على خدها.
زعلانة مني يا فاطمة؟
سألتها بصوت خفيض وأنا أتابع الطريق بعينين محمرتين من الضغط.
التفتت إليّ وابتسمت ابتسامة شاحبة، لكنها كانت أطهر وأصدق ابتسامة رأيتها في حياتي، وقالت
أنا مش زعلانة يا أحمد. أنا بس مش مصدقة إننا أخيرًا بقينا نقف في نفس الصف. طول السنين اللي فاتت كنت حاسة إني لوحدي في معركة خاسرة، وإن أي كلمة هقولها عن أختك هتتحسب عليّ إني ست شريرة ومش أصيلة.
كلماتها كانت كالسياط على ظهري. تذكرت بدايات زواجنا، كيف كانت فاطمة تستقبل سارة بكل حب وسعة صدر. تذكرت الأيام التي كانت فيها سارة تترك بيتها لأتفه الأسباب مرة لأن زوجها تأخر في العمل، ومرة لأنها تشاجرت معه على نوع العشاء، ومرة لأنها لا تريد تحمل المسؤولية في بيتها. وفي كل مرة، كانت أمي هي المحرض الأول، ترسلها إلى بيتي تحت شعار روحي ارتاحي عند أخوكِ، هو سندك، ومراته لسه صغيرة تتعلم أصول الأصول.
تتعلم أصول الأصول... هكذا كان يُنظر لزوجتي في بيتها! كأنها جارية أُهديت لنا مع عقد القِران لتقضي حوائج العائلة، لا شريكة حياة لها كامل الاحترام والتقدير.
تذكرت كم مرة دخلت بيتي فوجدت فاطمة تقضي الليل كله تطبخ لسارة وتجهز لها الغرف، بينما سارة تتبسم بسخرية وتتحدث في الهاتف مع صديقاتها تشكو من ضيق بيتي ومن بخل فاطمة في تقديم أنواع معينة من الحلويات! وكنت أنا في غفلة من أمري، أخدع نفسي بعبارة يا عم دي أختك، معلش بكرة تعقل.
لكنها لم تعقل، بل زادت شراسة مع الدعم المطلق من أمي التي كانت
تعتبر أي اعتراض من جانبي
متابعة القراءة