سند اخواتى حكايات بسمه

موقع أيام نيوز

مقاطعتنا بشهرين، تركت سارة البيت كالعادة وذهبت إلى بيت أمي.
لكن بيت أمي لم يكن مهيئًا لاستضافتها على مدار الساعة. أمي امرأة كبيرة في السن، ومريضة بالسكر والضغط، ولم تعد تطيق طلبات سارة التي لا تنتهي وأطفالها الثلاثة الذين يقلبون البيت رأسًا على عقب.
في المرة الأولى، استقبلتها أمي بترحيب.
في المرة الثانية، تذمرت أمي قليلاً.
في المرة الثالثة، التي حدثت بعد شهر فقط، صړخت أمي في وجه سارة وقالت لها جملة واحدة ترددت في أرجاء الشارع
هو إنتي مفكراني أقدر أشيلك إنتي وعيالك على طول؟ جوزك هو اللي يتحملك، أنا ربيتك وخلصت!
سارة صُدمت. ذهبت لتشتكي لزوجها، فطلب منها الطلاق نهائيًا إذا لم تعد لعقلها وترجع لبيتها دون شروط ودون اللجوء المستمر لبيت أهلها.
وهنا... تذكرت سارة الخادم الذي أهانته، وتذكرت البيت الذي كانت تطرد صاحبته من أوضة نومها!
الفصل السادس الاتصال الهاتفي ودموع الندم
في ليلة شتاء باردة، وكان الوقت قد تجاوز منتصف الليل، رن هاتفي. كان المتصل هو خالي، ذلك الرجل العاقل الذي كان دائمًا يحاول التلطيف.
أجبته بصوت متحفظ
أهلاً يا خالي، خير في وقت متأخر كده؟
تنهد خالي بعمق وقال بصوت متهدج
أبوس إيدك يا أحمد، اسمعني للآخر ومتقفلش. أمك تعبانة في المستشفى، وسارة مرمية في الشارع بعد ما جوزها طلقها، والدنيا اتقلبت على دماغ الكل.
شعرت بقبضة في قلبي. رغم كل شيء، هي أمي.
أنا جايلكم فورًا يا خالي. في أنهي مستشفى؟
وصلت المستشفى ومعي فاطمة التي لم تتردد لحظة واحدة في النزول معي، بل هي التي جهزت لي حقيبة الملابس ودفعتني للذهاب فورًا وهي تقول
دي أمك يا أحمد، ومهما عملت ملناش غيرها في الدنيا.
دخلت غرفة العناية المركزة، فوجدت أمي نائمة على السرير الأبيض، ووجهها شاحب كالثلج. كانت سارة جالسة على الكرسي بجوارها، رأسها بين يديها، وشعرها أشعث، وتبكي پبكاء مرير يشبه بكاء الأطفال الضائعين.
ما إن رأتني سارة حتى نهضت مسرعة، ووقفت أمامي، ووقعت على ركبتي تبكي بحړقة وتقبل يدي، وتقول بصوت متحشرج
حقك عليا يا أحمد... حقك عليا يا مراته... أنا كنت ظالمة وغبية، استقويت بيكم وبماما لحد ما ربنا وراني جزاء ظُلمي. جوزني طلقني يا أحمد، ومحدش رضا يستحملني غيركم... بس إنتوا كنتوا أطهر وأندل... قصدي أطهر وأشرف من إنكم تقابلوا الإساءة بالإساءة.
دخل خالي وأمسك بكتفي وقال
أمك كانت بتقول اسمك وهي في الغيبوبة يا أحمد. كانت بتقول ابني سند إخواتي... أنا ضيعت سندي بيدي.
الفصل السابع النهاية الحقيقية.. حين يعود الحق لأصحابه
بعد أسبوعين، خرجت أمي من المستشفى واستقرت حالتها الصحية. أصررنا أنا وفاطمة أن تقيم أمي معنا في بيتنا طوال فترة نقاهتها، رغم أن سارة كانت تظن أننا سنرفض.
في أول ليلة لأمي في بيتنا، دخلت غرفتنا الكبيرة الغرفة نفسها التي طردت منها فاطمة قبل نحو عام وجلست على السرير تنظر حولها بدموع الندم.
قعدت فاطمة على كرسي صغير بجوارها، وناولتھا كوب الشاي الدافئ بابتسامة صافية لا تكلف فيها ولا حقد، وقالت
نورتي بيتك يا أمي، ارتاحي، الأوضة دي ليكي، وكل البيت تحت أمرك.
أمي التفتت إلى فاطمة، ووضعت يدها المرتجفة على وجه فاطمة، وقالت بصوت خاڤت تبكي فيه روحها قبل لسانها
سامحيني يا بنتي... أنا كنت عمياء، وربنا فتح عيوني على أصلك الطيب وعلى ظُلمي ليكي. أنا اللي خربت بيتي بيدّي، وكنت فاكرة إني بحمي بنتي، وطلعت بضيعها وبضيع ابني الغالي.
دخلت أنا الغرفة في تلك اللحظة، ووقفت على الباب أنظر إليهما.
اقتربت
منهما، وجلست على حافة السرير، وأمسك بيد أمي ويد فاطمة معًا، ووضعتهما في يد
بعضهما، وقلت بابتسامة هادئة
عفا الله عما سلف يا أمي. البيوت بتتعمر بالاحترام مش بالعزوة الكذابة، والستر والكرامة أغلى من أي تقاليد بالية.
سارة كانت تقف خارج الباب، مطأطئة الرأس، لا ترفع عينيها في وجه أحد. نظرت إليها ودعوتها للداخل، وقلت لها
إنتي أختي، وبيتي مفتوح لك في أي وقت تحتاجي فيه السند الحقيقي، بس بضوابط تحترم حرمة بيتي وكرامة مراتي. لا حد هياخد مكان حد، ولا حد هيظلم حد تاني أبدًا.
رفعت سارة عينها وابتسمت وسط دموعها، وهزت رأسها موافقة.
ومنذ ذلك اليوم، عاد البيت ليأخذ شكله الصحيح بيت له حرمة، وزوجة لها كل الاحترام والتقدير، وأم أدركت متأخرة أن السند الحقيقي ليس هو من يطغى ويهدم بيوت الآخرين، بل هو من يقيم العدل ويحفظ الحقوق مهما كانت القرابة.

تم نسخ الرابط